المنافقون

December 1st 2013 | كتبها

 

المنافقون

 

د. إبراهيم علوش

 

 1/7/2010

 

(نشرت قبل ما يسمى “الربيع العربي”)

 

في الثقافة، كما في السياسة، ثمة شريحة طفيلية دوماً تتقمص “الدور المرغوب” اجتماعياً، حسب الزمان والمكان، لتحقيق أجندتها الخاصة، سواء كانت مصلحة مادية أو مهنية أو مجرد نيل “منزلة اجتماعية”.  ومن الطبيعي أن مثل هؤلاء يكونون أكثر إخلاصاً لقزمية ذاتهم من أي شيء أخر، وهم يتشدقون بآيات الولاء والثناء للزعيم أو الفكر أو الحزب أو… أي صيغة أو إطار يتخذونه سلماً لانتهازيتهم هنا والآن، ولذلك تجد ولاءهم قابلاً للتبدل من نقيض إلى نقيض حسب المكان والزمان. 

 

وتجد مثل هؤلاء المنافقين، أكثر ما تجدهم، في محيط الأنظمة الحاكمة، خاصة العربية منها، التي تستخدمهم ضد أي معارضة، وصولاً لتحويل المثقف أو المناضل المعارض إلى نسخة معدلة وراثياً منهم بعد أن يستنسخوا خواءهم فيه في خضم ما يمكن أن نسميه عملية “تجويف روحية”، بغض النظر عن الذرائع أو الوسائل الناعمة أو الخشنة، أو حتى عن العقيدة أو الخط السياسي الذي كان يتبناه ذلك المناضل العقائدي يوماً ما.

 

لكن المنافقين لا يتكاثرون في البيئات الدافئة والرطبة المحيطة بأصحاب النفوذ والسلطان والثروة فحسب، بل كثيراً ما تجدهم، ولو بصيغ أخرى، في بعض البيئات الباردة والجافة المحيطة بالمعارضة أيضاً، إذ أن أي تغليب للحسابات الفردية والخاصة على الحساب العام أو المبدئي، الذي قامت تلك المعارضة السياسية أو الثقافية من أجله أصلاً، يؤدي بالضرورة إلى نشوء انتهازية في الممارسة، كنقيض للحس المبدئي، وإلى قيام نوع من النفاق يغطي من خلاله الانتهازي ممارساته. 

 

وهنا قد ينشأ خطاب سياسي أو عقائدي كامل، يوظف فيه المثقف كل كفاءاته ومخزونه الثقافي، ويوظف فيه الناشط السياسي كل خبرته وعلاقاته وتاريخه، في فن التبرير، مما ينتج تضليلاً حقيقياً في الفكر والممارسة العملية قد يضيع في أحابيله كثيرون غير المنافق الذي أنتجه.

 

لكن ثمة انتهازية فكرية، هي من أخطر أنواع الانتهازية والنفاق الفكري على الإطلاق في المجتمع العربي، إذ ترى مثقفاً أو ناشطاً سياسياً يحاول توظيف فكرة عقائدية كبيرة، هي بالأساس مشروع لأمة أو لطبقة اجتماعية كاملة أو حتى للبشرية برمتها، في خدمة طائفة أو عشيرة أو منطقة أو إقليم محدد.  هنا تصل عملية النفاق لأوجها الفكري، حين يناخ رأس العقائد الكبرى، في خدمة صراعات تافهة طائفية أو عشائرية أو قطرية (نسبةً إلى قطر، قام مثلاً ضمن حدود تجزئة مصطنعة)! 

 

فكم رأينا من يساريٍ مزعومٍ، أو مدعٍ للإسلام أو للقومية العربية، أو حتى متسربلٍ بالليبرالية، يوظف خطابه، وكل ما تعلمه من نظريات وفكر، في إعلاء شأن “جماعته” الصغيرة التي يفترض أن فكره وقناعاته تجاوزتها أصلاً، لو لم يكن منافقاً؟!

 

أولئك المنافقون ليسوا فرداً واحداً، فهم كثر، غير أنهم نتاج قالب واحد سوسيولوجياً نشأ من لقاح غير طبيعي ما بين انتماء وولاء متخلف، طائفي أو عشائري أو إقليمي، وعقائد وفكر راقٍ يساري أو إسلامي أو ليبرالي أو قومي لم ينجح بالتغلغل إلى أعماقهم، فوجدوا أنفسهم يوظفون الثاني في خدمة الأول، تماماً ككائن ما قبل تاريخي، كديناصور مثلاً، يستخدم النفاثات العسكرية الحديثة لصيد فرائسه!!

 

الفرق ما بين هذا النوع – الفكري – من النفاق، والنوع القائم على حسابات محض فردية أو خاصة، هو أن المنافق في الحالة الفكرية ربما يتفانى فعلاً في تجاوز ذاته، ولكن ليس في خدمة أمة أو طبقة أو دين، بل في تجاوز وعي أفراد “الجماعات” الطائفية أو العشائرية أو الإقليمية الأخرى، وأدوات تنظيمها، لتحقيق مصالح جماعته، مما يضعنا أمام كاريكاتور مضحك، مقلوب على رأسه، من “الأصالة” فوق الحداثة.   

 

الحديث، بالمناسبة، لا يدور فقط عن “يساري” هنا أو “إسلاميين” هناك باتوا جزءاً من مشروع الفتنة، بل هي ظاهرة عربية، ومنها مثلاً مثقفون عرب، يتقمصون القومية واليسار والمقاومة، وهدفهم الوحيد الانتقاص من كل شيء عربي لمصلحة ولاءات أخرى مناهضة للعروبة. 

 

alloush100@yahoo.com

 

الموضوعات المرتبطة

الطلبة الأمريكيون يعودون إلى مقاعد الأيديولوجيا في فصل غزة

  إبراهيم علوش – الميادين نت   جاءت مدهشة انتفاضة الطلبة الأمريكيين من أجل غزة وفلسطين، بل يمكن القول إنها مثلت "طوفان الأقصى 3.0"، إذا عددنا تفاعل الجبهات المساندة، من جنوب لبنان إلى اليمن [...]

المنطق السياسي في الاستثمارات الإماراتية خارجياً

  إبراهيم علوش – الميادين نت انعقد بين 7 و 9 من الشهر الجاري مؤتمر "إدارة الاستثمار البديل" AIM في أبو ظبي، العاصمة الإماراتية، وهي المرة الـ 13 التي ينعقد فيها هذا الملتقى منذ تأسيسه عام 2015 [...]

ما هو الصبر الاستراتيجي؟  وهل خرجت إيران من عباءته فعلاً؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت هو مفهوم مستقى من العلم العسكري أساساً، ويعرف هناك باسم "الاستراتيجية الفابية"، نسبةً إلى الجنرال الروماني فابيوس ماكسيموس، والذي كلفته روما قيادة العمل [...]

انتفاضة الطلبة الأمريكيين من أجل غزة وفلسطين

  إبراهيم علوش – الميادين نت   توافق بعد أسبوع تقريباً الذكرى الـ 54 لمجزرة جامعة "كنت" الحكومية Kent State University، في ولاية أوهايو الأمريكية، والتي وقعت في 4 أيار / مايو 1970، وقضى فيها، بحسب الأرقام [...]

هل يقتصر الرد “الإسرائيلي” على 3 مسيرات صغيرة في أصفهان؟

إبراهيم علوش – الميادين نت ما أن كسرت إيران قواعد الاشتباك غير المعلنة بأكبرَ وابلٍ من الصواريخ والمسيرات يتلقاها الكيان الصهيوني دفعةً واحدةً في تاريخه، حتى انطلقت رشقةٌ موازية من [...]
2024 الصوت العربي الحر.