شباب لم يضيعوا البوصلة/ د. حياة حويك عطية

November 7th 2012 | كتبها

 

العرب اليوم 7/11/2012

لم يضيعوا البوصلة. لم تشغلهم الضوضاء والدخان وكل فصول السنة عن النظر الى قباب القدس. مجموعة صغيرة من الشباب، يقودهم مناضل ابن مناضل، ظلوا مستمرين بصمت باعتصامهم الأسبوعي أمام السفارة الاسرائيلية تعبيرا عن رفضهم لوجودها. أبعدتهم ضرورات أمنية عن بابها فاختاروا مكانا قريبا، مسجد الكالوتي. ليس المكان هو المهم فكل نقطة من الأرض العربية هي مناسبة لاعلان موقف، خاصة عندما يكون الأمر رمزيا سياسيا لا عسكريا.

أسأل د. ابرهيم علوش، فيقول بألم إن الربيع العربي أثر قليلا على جمهور الشباب، فتناقصوا لأنهم اختلفوا حول المواقف مما يحصل، خاصة في سورية. لكنه يتابع بإصرار، إن أغلبية المشاركين لا يزالون على اصرارهم. القصة هنا. فكيف يجعلنا الاختلاف المــــشروع حــــول قضــــية داخـــــلية عربية، نختلف حـــــول الموقـــــف المبدئي من الكيان الصهيوني، ومن فلسطين؟

أفلم يتحالف الشيوعيون الفرنسيون مع شارل ديغول اليميني وسائر مكونات المجتمع السياسي عندما كان النازيون يحتلون بلادهم؟ ألم يكن موقفهم موحدا من فيشي ومن فرنسا الحرة، بل ومن الحلفاء؟ ألم تتحالف كل قوى المجتمع الروسي ضد غزو نابليون ومن ثم ضد غزو هتلر؟ فلماذا يختلف الأمر لدينا؟ سؤال قد يحمل في طياته جوابا خطيرا وواقعيا على التساؤل الأكبر عن أسباب فشلنا، وفي الموضوع الفلسطيني تحديدا.

لنقلها بصراحة: ثمة من يقدم النظريات على الأرض والشعب، على الأمة، وثمة من يقدم الأحقاد على كليهما، وثمة من تعوّد على النضال مدفوع الأجر – وبسخاء خليجي – ( ولا يحدثنا أحد عما عايشناه في بيروت السبعينيات)، ولذا أصبح المسلك عادة والعادة طبيعة ثانية، واذا لم يعد الدفع متوفرا لأجل فلسطين فهو متوفر لأجل أمور أخرى… من جهة أخرى ثمة من تعوّد – وهم كثر وكثر – على أن يؤيد الفعالية طالما أنه على رأسها ونجمها، حتى اذا انتفى هذا الشرط، انقلب عليها وراح يكيل لها التهم.

لا نتحدث فقط عن اعتصام الكالوتي، بل عن مسلك سياسي لا يقال فسادا عن مسلك الطبقة السياسية الرسمية التي اعتدنا أن نحصر نقدنا بها وحدها.

ولا نتحدث فقط عن هذه الفعالية أو تلك، إنما عن ظاهرة غريبة هي أن ما يسمى الثورات العربية، أو الربيع العربي، والذي لا يحمل من سمات الربيع شيئا إلا رغبة من أطلقوا التسمية في تقليد ربيع براغ وربيع بكين.

في دلالة بعيدة لم يدركها حتى أصحاب الحراك نفسه. دلالة تقول بوضوح إن انتصار الحراك العربي، إن هو إلا انتصار آخر للمعسكر الأمريكي النيوليبرالي على بقايا المعسكر المنافس، وبالتالي انتصار استراتيجيات وسياسات النيوليبراليين الأمريكيين، التي تتضــــمن، من بيــــن ما تتـــــضمن، شطب القضية الفلسطينية بصيغتها التي سادت أيام ما قبل هذا ” الربيع”.

لذلك لم يكن تغييب الموضوع الفلسطيني عن خطاب أصحاب الثورات، من تونس الى ليبيا الى مصر، محض مصادفة، ولا مجرد انشغال بالمشاكل الداخلية – كما عملت البروباغاندا على التسويق – بل كانت عملية تغييب ممنهـــــج تمهيدا لفتح باب صفحة جديدة ومقاربة جديـــدة. لعل نموذجها الدلالي تدمير الأنــــــــفاق بين مصر وغزة، فيما لم يتجرأ عليه حسني مبارك، لتأتي بعدها عطايا أمير قطر: خذوا هبة من القاعدة الأمريكية ما كنتم تحصلون عليه بذراعكم وأنفاقكم!! من الأخذ بالذراع الى الأخذ هبة… وماذا وراء الهبة؟!!
لن يكون الامر مختلفا بخصوص الضفة التي قررت منذ زمن عدم الاخذ بالذراع واعتادت على المنح …

والتالي؟ لا بد أن يحارب هذا المنطق الجديد ( والفلسطيني منه في الصدارة) أي نشاط مثل اعتصام الكالوتي، ولا بد أن يتناقص عدد المعتصمين، لكن مجرد بقاء عدد منهم أيا يكن، هو دليل على أن عملية التصفية لن تمر بالسهولة التي يتخيلها أهل الربيع. خاصة وأن اصرار الشباب على الحفاظ على الموعد الدوري في المكان ذاته بما قارب المئتي اسبوع، يشبه سهر كهنة المجوس على شعلة الهيكل ونجاحهم في صيانتها من الانطفاء منذ قرون. إنه بحد ذاته رسالة بليغة، وخنجر فولاذي من إرادة لا بد له أن يخترق الضمائر.

الموضوعات المرتبطة

حول الموقف المقاوِم المبدئي من حماس بمناسبة تظاهرات بدنا نعيش

ثار جدال في الصف الوطني واليساري حول قمع حماس لتظاهرات "بدنا نعيش" تحول فيها خط تأييد حق التظاهر غير المقيد إلى دفاع ضمني أو علني عن سلطة التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني، ورفع فيها [...]

الحراك الشعبي ليس دوماً على حق

خلال معظم القرن العشرين، شكل الحراك الشعبي والعمل السري وحرب العصابات وحرب الشعب سلاح القوى المناهضة للإمبريالية والأنظمة والحكام التابعين لها، أو إحدى أدوات حركات التحرر القومي ضد [...]

دين سورية الخارجي

عند نهاية عام 2010، لم يكن الدين الخارجي للجمهورية العربية السورية يبلغ أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يظهر الرسم البياني المرافق، وهو رقم شديد التدني بالمقاييس العالمية. والمصدر هو [...]

المتباكون على الخلافة العثمانية

يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يتباكى على قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ في ظل الاحتلال العثماني، بذريعة أن ما تلاه كان تجزئة واحتلالاً وتبعية للغرب، والمؤسف أن بعض هذا الأصوات محسوبة [...]

الحرب الاقتصادية على سورية تتصاعد… محكمة فيدرالية في واشنطن تحكم بتعويض أمس مقداره 302 مليون دولار على الدولة السورية بعد إدانتها بمقتل المراسلة الحربية الأمريكية ماري كولفن

ويبدو أن العقوبات المالية بذرائع "قانونية" ستكون نهجاً مع سورية من الآن فصاعداً، كما كانت مع العراق وليبيا من قبل، في سياق تشديد الحرب الاقتصادية على سورية بعد فشل الصيغ الأخرى من العدوان [...]
2019 الصوت العربي الحر.