مشروع “التغيير الديموقراطي في سورية” بين الزومبي والإخونج

April 3rd 2013 | كتبها

يزعم الخطاب المشكك بالقيادة السورية أنها فاقدةٌ للمشروعية الديموقراطية لأنها جاءت نتاجاً لانقلابات عسكرية، لا لعملية انتخابية مفتوحة ونزيهة، ولأنها، حسب الخطاب نفسه، مارست الاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان على مدى عقود، وصولاً للمزاعم الراعفة بأن النظام “قتل شعبه”، خاصة خلال العامين الاخيرين، بكافة أنواع الأسلحة.

وعليه يروج من يتبنون ذلك الخطاب أن مشروعية المتمردين على النظام السوري تنطلق من رغبتهم بتاسيس “نظام ديموقراطي تعددي” في سورية يرتكز لتداول السلطة انتخابيا واحترام حقوق الإنسان…

وبما أن الدول الغربية دولٌ تقوم دساتيرها على الديموقراطية الانتخابية واحترام حقوق الإنسان، حسب الدعاية الإعلامية نفسها، فمن الطبيعي أن تدعم مثل ذلك التوجه “الديموقراطي” لدى “الثوار” السوريين، وأن تدعو لتنحي القيادة السورية عن السلطة، وأن تقدم مختلف أنواع الدعم العسكري والأمني والمالي لهم، بهدف تحقيق “التغيير الديموقراطي في سورية”.

ومع أن مثل هذا الخطاب “الديموقراطي” ضد النظام السوري ربما يبدو للبعض براقاً وآخاذاً للوهلة الأولى، فإنه ليس في الواقع أكثر من كذبة جميلة واهنة ومتهافتة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار:

أولاً، أن القوى الأساسية التي تقود “الثورة” في سورية وتحركها، من قطعان الزومبي إلى الإخونج (على وزن إفرنج، بعد تصريفها إسلاموياً)، ليست قوىً ديموقراطية أصلاً لا في البرنامج ولا العقلية ولا المشروع.  وقد ثبت من الموثق والمصور من مجازرها وجرائمها وممارساتها الإقصائية وخطابها المغلق أنها قوى ذات برنامج طائفي أساساً مناهض لمفهوم المواطنة الذي تستند إليه الديموقراطية، وأنها تناهض فكرة الدولة الوطنية غريزياً، ناهيك عن مناهضة فكرة “الإنسان” عند الزومبي، حتى قبل التطرق ل”حقوق الإنسان”.

 

ثانياً، أن قوى الهيمنة الخارجية التي تدعم “التغيير الديموقراطي في سورية” لديها سجل معروف في التعدي على أمتنا العربية وشعوب الأرض، وأن تاريخها الاستعماري ومشاريعها التفكيكية، من سايكس-بيكو إلى “الشرق أوسطية”، معروفين لكل مبتدئ بالتاريخ والسياسة، وأن أطماعها الإمبريالية، خاصة بعد اكتشاف حقول الغاز والنفط الكبيرة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، تحتاج إلى مغفل لكي يصدق خطابها “الديموقراطي” في فنزويلا… قبل أن نصل إلى سورية.  ولا نزال نعاني، عشية الذكرى العاشرة لاحتلال العراق وتدميره، عواقب مشاريعها “الديموقراطية”.

 

ثالثاً، أن حكام الخليج العربي الذين يمولون “التغيير الديموقراطي في سورية” ويسلحونه، والذين يغطونه سياسياً وطائفياً، يمثلون في الواقع نموذجاً تاريخياً فذاً يحتذى به في ممارسة تداول السلطة والتعددية وحرية التعبير بات موضع حسد شعوب العالم من أمريكا الشمالية إلى سويسرا إلى اليابان فأستراليا فجنوب أفريقيا وصولاً للأرجنتين، حتى أن مواطني شعوب الأرض قاطبةً يحلمون أن يشملهم أولئك الحكام برعايتهم، ولو بظل نظام “الكفيل”.

 

رابعاً، أن القيادة السورية كانت أكثر تجاوباً مع دعوات الإصلاح من أي قيادة أخرى في أقطار ما يسمى “الربيع العربي”، وقامت بالكثير من الخطوات بهذا الاتجاه، ابتداء من شطب المادة الثامنة من الدستور السوري، وإقرار مبدأ التعددية الحزبية، وتداول السلطة، وانتهاء بقبول كل ما يقره الحوار الوطني السوري، لكن بعض دعاة “التغيير الديموقراطي” المزيفين، حتى من لا يحمل السلاح منهم، يرفض مجرد الحوار مع القيادة السورية، ويفضل أن يحاور سفراء الدول الاستعمارية عوضاً عنها.  فإذا كانت المشكلة في سورية هي مشكلة إصلاح ديموقراطي، فإن تلك الذريعة تسقط فوراً بمجرد رفض المشاركة بمشروع الإصلاح الديموقراطي، وتسقط أكثر عندما يتم اختلاق الذرائع التي تبرر السلوكيات الهمجية للزومبي والإخونج باعتبارها “ردات فعل”!  فمن يروم الإصلاح لا يمكن أن يتسامح مع التدمير المنهجي للبنية التحتية ومؤسسات الدولة باسم الإصلاح…  خاصة بعدما بات واضحاً من الذي يقتل المواطن السوري ويهجره ويذبحه ويخطفه ويعتدي عليه ويعطل حياته اليومية بالتفجيرات والقصف.

 

لكن كل ما سبق يمثل نقاطاً ثانوية في الواقع إذا ما قورنت بالنقطة الأهم وهي أن المرجعية الأساسية التي يفترض أن يتم من خلالها تقييم الموقف في سورية اليوم، أو العراق من قبل، أو ليبيا، ليس المرجعية الديموقراطية، حتى لو كان ذلك يتم بشكل مفتعل لخدمة المصالح الإمبريالية والصهيونية.  بل تأتي المرجعية الديموقراطية، ومرجعية حقوق الأفراد، ولو صدقت، في المقام العاشر بعد المئة، بعد المرجعية الوطنية والقومية، أي مرجعية مصلحة الأمة العربية، ولا ديموقراطية حقيقية إلا بالمشروع القومي.

 

أما الآن، فإن الأهم من تداول السلطة والتعددية وما شابه هو مصلحة الأمة العربية في التصدي للهيمنة الخارجية ودعم المقاومة وبقاء القلعة الأخيرة الناطقة بالفكر القومي، ومصلحة سورية بأن تبقى مستقلة وموحدة.

 

وإذا وضعنا جانباً تجربة فرض النموذج الليبرالي عالمياً ومراسم التعددية وطقوس التداول المسيطر عليها من رأس المال السياسي والرأي العام الذي تقولبه شركات إعلام احتكارية عالمية، فإن القومي الحقيقي هو من يتمسك بسمو مقياس المصلحة القومية، مصلحة الأمة، فوق أي مقياس أخر.

 

فإذا اضطررنا للاختيار بين مصلحة الأمة، في أي لحظة، وبين شكليات الديموقراطية أو غيرها، فليذهب كل ما يخالف مصلحة الأمة إلى الجحيم.

 

ولأن القيادة السورية اليوم تمثل قمة مصلحة الأمة في مواجهة قوى الهيمنة الخارجية ومشاريع التفكيك والإلحاق وشطب الوطن، فإن مشروعيتها القومية قد بلغت شأواً لم تبلغه في أي وقتٍ مضى، حتى وهي تسعى لتحقيق مشروع إصلاح ديموقراطي لا ضرورة له أصلاً في خضم معركة الدفاع عن سورية.

 

والمهم أن يعرف المرء بوصلته قبل أن يناقش مسألة المشروعية السياسية.  ونحن القوميين العرب الجذريين بوصلتنا مصلحة الأمة.

 

إبراهيم علوش

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=635540343129871&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1

 

الموضوعات المرتبطة

حول الموقف المقاوِم المبدئي من حماس بمناسبة تظاهرات بدنا نعيش

ثار جدال في الصف الوطني واليساري حول قمع حماس لتظاهرات "بدنا نعيش" تحول فيها خط تأييد حق التظاهر غير المقيد إلى دفاع ضمني أو علني عن سلطة التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني، ورفع فيها [...]

الحراك الشعبي ليس دوماً على حق

خلال معظم القرن العشرين، شكل الحراك الشعبي والعمل السري وحرب العصابات وحرب الشعب سلاح القوى المناهضة للإمبريالية والأنظمة والحكام التابعين لها، أو إحدى أدوات حركات التحرر القومي ضد [...]

دين سورية الخارجي

عند نهاية عام 2010، لم يكن الدين الخارجي للجمهورية العربية السورية يبلغ أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يظهر الرسم البياني المرافق، وهو رقم شديد التدني بالمقاييس العالمية. والمصدر هو [...]

المتباكون على الخلافة العثمانية

يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يتباكى على قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ في ظل الاحتلال العثماني، بذريعة أن ما تلاه كان تجزئة واحتلالاً وتبعية للغرب، والمؤسف أن بعض هذا الأصوات محسوبة [...]

الحرب الاقتصادية على سورية تتصاعد… محكمة فيدرالية في واشنطن تحكم بتعويض أمس مقداره 302 مليون دولار على الدولة السورية بعد إدانتها بمقتل المراسلة الحربية الأمريكية ماري كولفن

ويبدو أن العقوبات المالية بذرائع "قانونية" ستكون نهجاً مع سورية من الآن فصاعداً، كما كانت مع العراق وليبيا من قبل، في سياق تشديد الحرب الاقتصادية على سورية بعد فشل الصيغ الأخرى من العدوان [...]
2019 الصوت العربي الحر.