التعارضات بين الإدارة الأمريكية والصهيونية في ميزان سوراقيا

November 12th 2014 | كتبها

obama-netanyahu

ثمة طريقتان فحسب لفهم الاعتراف الرسمي السويدي بـ”دولة فلسطين”، واعتراف مجلس العموم البريطاني غير الرسمي قبله فيها، ولفهم الحملة الأوروبية المتصاعدة ضد المستعمرات الصهيونية في الضفة الغربية ومنتجاتها: إما أنها صحوة رسمية أوروبية من ماضٍ استعماريٍ بات شديد الوطأة على الضمير الأوروبي المرهف، وإما أنها ضغوط رسمية أوروبية على حكومة نتنياهو في سياق خلاف الأخيرة مع إدارة أوباما حول ملف القدس ومستعمرات الضفة والتفاوض.

كذلك ثمة طريقتان فحسب لفهم التصعيد “الدبلوماسي” للسلطة الفلسطينية ضد “الانتهاكات الإسرائيلية” في المحافل الدولية، ولفهم “التشبيح” الرسمي الأردني ضد الانتهاكات الصهيونية للمسجد الأقصى والقدس: إما أنها “دعسة فجائية” لسلطتي أوسلو ووادي عربة في مسار مواجهة العدو الصهيوني من جراء صحوة وطنية، وإما أنه تصعيدٌ محكومٌ بالمليمتر المربع بسقف الخلاف بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو حول ملف القدس ومستعمرات الضفة والتفاوض.

لا نستبعد الضغط الشعبي من أسفل بالطبع. فالرأي العام السويدي –والإيرلندي – أكثر تعاطفاً مع القضية الفلسطينية من غيره، والشارع العربي تشكل موضوعة القدس والأقصى بالنسبة له موضوعة متفجرة بكل تأكيد، لكن في ظل تهاوي السقف السياسي لـ”مناهضة الصهيونية” بهذه الطريقة فإن كل الحالة تتحول لأداة تنفيس، لا بل للتغطية على صفقة الغاز الكبرى مع العدو الصهيوني في الحالة الأردنية، وللتنسيق الأمني مع العدو الصهيوني في حالة السلطة الفلسطينية، وللدور الأوروبي الاستعماري في الحالة السورية والعراقية.

لكن حساسيات اليمين الصهيوني الديني والمتطرف باتت تظهر بشكل متزايدٍ كعصي في دواليب سياسات إدارة الرئيس أوباما: لا لنقل الثقل الأساسي للولايات المتحدة إلى منطقة المحيط الهادئ أو أوروبا الشرقية لمواجهة صعود الصين وروسيا! لا لممارسة الضغوط على الحكومة “الإسرائيلية” لتقديم تنازلات في نقطة تافهة مثل “تجميد الاستيطان” من أجل تسكين الملف الفلسطيني كالعادة كلما أرادت الإدارة الأمريكية ضرب أو تفكيك دولة عربية ما!

لذلك نجد أطرافاً أوروبية وعربية ويهودية تمارس ضغوطاً على حكومة نتنياهو تحت السقف، لا تمس حق الكيان الصهيوني بالوجود، ولا ترقى إلى دعم المقاومة ولا للتأكيد على عروبة فلسطين، بل تكرس فكرة “التعايش” و”التطبيع مع النشطاء الإسرائيليين في مواجهة التطبيع مع المستعمرات” فحسب، وتشطب عروبة الأرض تحت عنوان الدولتين أو “الدولة الواحدة لكل مواطنيها”، حتى في أقصى حالاتها مثل حالة البي دي أس BDS.

لقد جن جنون الحركة الصهيونية من واشنطن لتل أبيب عندما تراجع أوباما عن ضرب سورية على خلفية اتفاق الكيماوي السوري مع لافروف، وراح ممثلوها يتهمونه بالجبن علناً! وما اتهام مسؤول أمريكي لنتنياهو بالجبن مؤخراً إلا نوعٌ من “تسديد الحساب”، مع تأخير عام ونيف، فالمثل الأمريكي يقول: الانتقام وجبة من الأفضل تقديمها باردة!

بالنسبة لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة تبني سياساتها على اعتبارات استراتيجية وجيو-سياسية كبرى، ليس أقلها محاولة الحفاظ على ما أمكن من مواقعها في زمن التحول إلى التعددية القطبية وما يستدعيه ذلك من الحاجة لاحتواء روسيا والصين والدول المستقلة في العالم الثالث، فإن الحاجة لمراعاة الحساسيات الدينية المفرطة لليمين الصهيوني في القدس أو الخليل بات عبئاً ثقيلاً على الإدارة الامريكية في الوطن العربي والعالم الإسلامي. بالمقابل، تشتغل حكومة نتنياهو بـ”التنكيد” على إدارة أوباما في أروقة السلطة في واشنطن عبر اللوبي الصهيوني،وفي السياسة الدولية وصولاً لمغازلة روسيا والصين، وهو ما يقترب بشدة من الخط الأحمر الأمريكي. وقد مارست إدارة أوباما ضغوطاً على حكومة نتنياهو لوقف إطلاق النار في غزة وصلت إلى وقف شحنات أسلحة أمريكية للكيان الصهيوني!!!

لكن مثل هذه التناقضات بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو، التي تستخدم فيها إدارة أوباما أدوات أوروبية ورسمية عربية وحتى يهودية، لا تعني البتة تصدع التحالف الأمريكي-الصهيوني، لأن العلاقة الأمريكية-الصهيونية علاقة عضوية، ترتبط باندماج النخب في البنية الاقتصادية-الاجتماعية المعولمة للإمبريالية العالمية، لا بحذق “العلاقات العامة” اليهودية كما يظن بعض السطحيين… إنما هو تناقض ضمن العائلة الواحدة من جهة، وبين الأولويات الاستراتيجية للإمبريالية الأمريكية في اللحظة الراهنة وبين الخرافات التوراتية لليمين الصهيوني.

قد تكون الخرافات التوراتية ضرورية لتبرير مشروعية وجود الكيان الصهيوني لدى الصهاينة، ولو كانوا علمانيين أو ملحدين، لكنها بصيغتها المفرطة كما تتجلى عند الأحزاب الصهيونية المتطرفة عبءٌ كبيرٌ على سياسة الإدارة الأمريكية الحالية. فليس هذا تناقضاً مع الصهيونية السياسية بمقدار ما هو تناقض مع الصهيونية الدينية، وهو تناقض تطمح الإدارة الأمريكية لحله عبر “تغيير حكومة” الكيان الصهيوني، كما يطمح الكيان الصهيوني لحله عبر “تغيير حكومة” الولايات المتحدة!

وقد أصيب بعض قادة الصهاينة بشيء من التوتر والحسد والخوف على الدور الإقليمي عندما لاحظوا توجه إدارة أوباما، بعد خطابه في جامعة القاهرة عام 2009، للتحالف مع أطياف إسلاموية مختلفة لتغيير خريطة المنطقة وتوظيف الإسلام السياسي في مشروع التفكيك وإقامة سد أيديولوجي وطائفي في مواجهة دول البريكس… فثمة تعارض تركي-“إسرائيلي” على الدور الإقليمي تحت سقف العائلة الإمبريالية-الصهيونية التي ينتمي إليها كلاهما، وها هي الطائرات التركية تشارك طائرات حلف الناتو يومياً في مواجهة الطلعات الجوية الروسية. ويشتركون جميعاً في هدف استراتيجي واحد اليوم هو تفكيك سورية والعراق.

وهكذا نرى أن “جبهة النصرة” في محيط الجولان، وفي اقترابها من لبنان من جهة جبل الشيخ، تشكل حليفاً موضوعياً للكيان الصهيوني في مواجهة حزب الله، حتى لو نفينا عنها أية تهمة بالعمالة، ما دامت تعتبر أن “قتال الروافض” هو أولويتها الأولى، وقتال النظام السوري. وتركيا في في محيط “عين العرب” تشكل حليفاً موضوعياً لـ”داعش” في مواجهة سورية والعراق. وفي ذلك يتجلى البعد العضوي للعلاقة المحكومة بسقف الناتو في جميع الأحوال.

إبراهيم علوش

البناء 12/11/2014

للمشاركة على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=991319557551946&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1&theater

الموضوعات المرتبطة

الحراك الشعبي ليس دوماً على حق

خلال معظم القرن العشرين، شكل الحراك الشعبي والعمل السري وحرب العصابات وحرب الشعب سلاح القوى المناهضة للإمبريالية والأنظمة والحكام التابعين لها، أو إحدى أدوات حركات التحرر القومي ضد [...]

دين سورية الخارجي

عند نهاية عام 2010، لم يكن الدين الخارجي للجمهورية العربية السورية يبلغ أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يظهر الرسم البياني المرافق، وهو رقم شديد التدني بالمقاييس العالمية. والمصدر هو [...]

المتباكون على الخلافة العثمانية

يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يتباكى على قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ في ظل الاحتلال العثماني، بذريعة أن ما تلاه كان تجزئة واحتلالاً وتبعية للغرب، والمؤسف أن بعض هذا الأصوات محسوبة [...]

الحرب الاقتصادية على سورية تتصاعد… محكمة فيدرالية في واشنطن تحكم بتعويض أمس مقداره 302 مليون دولار على الدولة السورية بعد إدانتها بمقتل المراسلة الحربية الأمريكية ماري كولفن

ويبدو أن العقوبات المالية بذرائع "قانونية" ستكون نهجاً مع سورية من الآن فصاعداً، كما كانت مع العراق وليبيا من قبل، في سياق تشديد الحرب الاقتصادية على سورية بعد فشل الصيغ الأخرى من العدوان [...]

حول الإعلان عن الانسحاب الأمريكي من سورية

حتى ساعاتٍ مضت، كانت الإشارات الصادرة من واشنطن توحي بأنها "باقية وتتمدد" في سورية، لا سيما مع الإعلان عن تأسيس نقاط وقواعد عسكرية جديدة لقوات "التحالف"، ومع تصريحات جيمس جيفري، المبعوث [...]
2019 الصوت العربي الحر.