January 29th 2026 | كتبها
admin

إبراهيم علوش – الميادين نت
ربما لا تبدو مجريات العولمة، وبالمعية، ما جرى في المنتدى الاقتصادي العالمي الأسبوع الفائت، في منتجع دافوس السويسري، شأناً ضاغطاً وملحاً كالتهديد بعدوان أمريكي على إيران، أو صهيوني على لبنان، أو اختطاف رئيس فنزويلا وزوجته، لكنه شأنٌ لا يقل أهميةً وخطورةً بمقاييس الاقتصاد الدولي، وبالتالي بمقاييس السياسة الدولية التي تشكل الهيمنة على منطقتنا أحد أهم محاورها.
منتدى دافوس هو المؤتمر السنوي لأكبر ألف شركة متعدية الحدود، ويجري الانضمام إليه بدعوة خاصة فقط للشركات التي لا تقل مبيعاتها السنوية عن عتبة 5 مليارات من الدولارات. أما الشركات “الصغيرة”الصاعدة التي تتراوح مبيعاتها بين 20 مليون ومليار دولار سنوياً، فربما تُدعى إلى إحدى هيئات المؤتمر الفرعية بصفة شريك صغير (جونيور)، مثل هيئة “الأبطال الجدد” The New Champions التي يليق اسمها بنادٍ لطلاب الصفوف الابتدائية في مدرسة خاصة!
تنبع أهمية مؤتمر دافوس السنوي وهيئاته وفروعه، ومنه منتدى دافوس الأردن الذي انطلق سنة 2003 بعد غزو العراق واحتلاله، من أنه تحول، في الزمن الذهبي لصعود ظاهرة العولمة وتمددها، إلى المطبخ السياسي الأكثر بروزاً الذي يتقاطر إليه رؤساء الدول وصناع القرار حول العالم كما الفراشات إلى الضوء.
من المهم التذكير أن العولمة، كمصطلح، هي اندماج الاقتصادات الوطنية في شبكة عالمية واحدة يحدوها تسارع حركة السلع والخدمات والاستثمارات والعمالة والتكنولوجيا والتأثيرات الثقافية والإعلامية عبر الحدود.
بدأ النشاط الاقتصادي المعولم في التحول من نشاط جانبي للاقتصادات الوطنية إلى محور وجوده، الذي يصارع من أجل البقاء إذا بقي خارجه، ابتداءً من ثمانينيات القرن الـ 20، يحدوه التطور في وسائل الاتصالات والمواصلات، وخصوصاً الشبكة العنكبوتية وسفن الشحن العملاقة.
وإذا كان ما جرى في الفضاء الافتراضي مألوفاً، فإن التطورات في حقل الشحن البحري لا تقل أثراً على التجارة الدولية في السلع، إذ شهدت نهاية الثمانينات مثلاً نزول السفن التي تحمل أكثر من 4000 حاوية إلى عباب المياه. وفي عام 2019، دخلت السفن التي تستطيع حمل أكثر من 24000 حاوية على خطوط الشحن البحري، ويفضّل ذلك التطور طبعاً الاقتصادات ذات القاعدة التصنيعية الضخمة، مثل الصين.
الأهم، من المنظور العالمي-التاريخي هو عولمة المنشأة الإنتاجية ذاتها، وتحول الكوكب برمته إلى مسرح لعمليات الشركة الواحدة عابرة الحدود، مبيعاً وتوظيفاً واستثماراً ومُدخلات، وانتفاخ القيم المالية والمصرفية بصورة أسية لم يستطع إنتاج السلع والخدمات مجاراتها.
إدى ذلك إلى ازدياد الثقل النسبي في الاقتصاد لرأس المال المالي الدولي بصورة انفجارية، وإلى بدء انتقال مركز الثقل في السياسة من الدول إلى الشركات الكبرى. من ثم، صار تفكيك الدول المركزية في الفضاء الجغرافي-السياسي، وذرّ الهوية القومية للمجتمعات، البرنامج السياسي للشركات متعدية الحدود فعلياً.
كانت موجة “تحرير الاقتصاد” من الضوابط والتنظيم والتدخل الحكومي في بريطانيا، ابتداءً من سنة 1979 على يد مارغريت ثاتشر، وفي الولايات المتحدة، ابتداءً من سنة 1980 على يد رونالد ريغان، الجرس الذي قُرع إيذاناً بانطلاق قاطرة العولمة. لكنّ “تحرير الاقتصاد” لم يخلق العولمة، بل كان البوابة القانونية التي دخلت الشركات متعدية الحدود عبرها كقوة كامنة أعطاها تطور قوى الإنتاج زخماً جديداً.
اصطدم مشروع العولمة خلال مسيرته بسلسلة من الأزمات، كانت نقطة الانقلاب فيها الأزمة المالية الدولية سنة 2008، ثم أزمة كوفيد 19 سنة 2020 التي أبرزت مشكلة سلاسل الإمداد، وأزمة الطاقة والغذاء الناجمة عن العقوبات على روسيا بعد حرب أوكرانيا سنة 2022.
ترافق ذلك مع أزمة تراكم اختلال التوازنات اجتماعياً وسياسياً داخل البلدان ودولياً، وأزمة تفاقم الهجرة واللجوء في الاقتصادات المتقدمة. وأدت آخر مجموعتين من الأزمات دوراً مهماً في صعود اليمين الشعبوي في الغرب كقوة مناهضة للعولمة من منظور قومي، ولعل ترامب هو المثال الأبرز هنا.
لكنّ شيئاً لم يقض مضاجع القوى القائمة على العولمة مثل اختراقها من طرف قوى دولية صاعدة من خارج المنظومة الغربية، وأهمها الصين طبعاً، وخصوصاً أنها قوضت المقولة الأيديولوجية للعولمة بشأن “سمو السوق الحرة على كل ما عداها”، فدخلت الصين حلبة العولمة بصفتها مشروعاً قومياً تقوم عليه دولة مركزية يقودها حزب شيوعي، فسحقت المنافسة اقتصادياً ووظفت إنجازاتها في ميدان الجغرافيا السياسية، كما في مشروع “الحزام والطريق”.
كان مهماً جداً إذاً ما قاله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس الأسبوع الفائت عن نهاية “النظام الدولي القائم على القواعد”، وحاجة الدول للتركيز على بناء اقتصادها القومي وتنويع علاقاتها الاقتصادية الدولية من أجل حمايتها من هيمنة القوى العظمى.
كندا، المهددة بالضم من طرف إدارة ترامب، لم يمارِ رئيس وزرائها في الكشف أننا “في خضم تمزق، لا مرحلة انتقالية”، مضيفاً: “بدأت القوى العظمى في استخدام التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كوسيلة ضغط، والبنية التحتية المالية كأداة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يمكن استغلالها”.
عدّ كارني ذلك “نهاية قصة خيالية ممتعة، وبداية واقع قاسٍ، لا تخضع فيه حسابات الجيوبولتيكس، والقوى الكبرى الرئيسة، لأي حدود أو قيود”، داعياً القوى متوسطة الحجم، على غرار كندا، إلى التكتل معاً لتحقيق نوع من الاستقلال الاستراتيجي في ميادين الطاقة والغذاء والمعادن النادرة والمالية وسلاسل الإمداد، في عالم يحكمه التنافس بين القوى العظمى، ويستخدم فيه التكامل الاقتصادي كوسيلة إكراه.
ويمثل ذلك كله توجهاً مناقضاً لروح الاندماج الذي تتطلبه العولمة.
كذلك، كانت لحظة فارقة تلك التي وقف فيها وزير التجارة الأمريكي، هوارد لوتنيك، الأسبوع الفائت، ليعلن في دافوس أن “العولمة خذلت الغرب والولايات المتحدة”، و”تركت أمريكا والعامل الأمريكي خلف الركب”.
وعلى الرغم من حديث البعض عن نهاية العولمة أو موتها، أو حتى عن تباطؤها، فإن إحصاءات التجارة الدولية في السلع والخدمات تشير إلى أنها لم تضعف، بل وصلت إلى أعلى مستوياتها مع نهاية سنة 2025. لكن الجديد هو أن القوى العظمى باتت تبحث عن شركاء تجاريين واستثماريين أقرب إليها سياسياً، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بسلاسل إمداد السلع الحرجة.
تبرز هنا فكرة اصطدام الاقتصاد الحر بقوانين الجغرافيا السياسية. على سبيل المثال، وبحسب إحصاءات المفوضية الأوروبية في موقع EuroStat، انخفضت نسبة ما يستورده الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي من مجمل الاستيراد الغازي من نحو 39% في الفصل الأول من سنة 2021، إلى 15% في الفصل الثالث من سنة 2025، وما يستورده من النفط الروسي من نحو 29% من الإجمالي في الفصل الأول سنة 2021، إلى 1.26% من المجمل في الفصل الثالث من سنة 2025.
في المقابل، ازداد استيراد الاتحاد الأوروبي من حوامل الطاقة من الولايات المتحدة والنرويج والبرازيل، وازداد تصدير حوامل الطاقة الروسية إلى الصين، والهند وتركيا المحسوبتين برسم الاستقطاب دولياً.
هذا يعني أن التجارة الدولية لم تضعف، وسلاسل الإمداد لم تنقطع، لكنّ اتجاهاتها اختلفت جغرافياً، بحسب المعادلات السياسية.
المفارقة هي أن الصين باتت عاملاً رئيساً في تفعيل العولمة، في خضم ما يفترض أنه تباطؤها، من خلال تصدير السلع المتقدمة ومن خلال استثمارها في “الحزام والطريق”. وتشير الإحصاءات أن الصين حققت فائضاً تجارياً قياسياً مع العالم بلغ 1.2 ترليون دولار سنة 2025، على الرغم من كل الإجراءات التجارية الغربية ضدها.
تركز الولايات المتحدة وحلفاؤها على المقلب الآخر على تأمين مصادر صديقة للسلع والخدمات الحرجة مثل أشباه الموصلات وتقنيات الحوسبة المتقدمة والموارد الطبيعية الرئيسة والبطاريات عالية السعة والمستحضرات الصيدلانية والتقنيات العسكرية والفضائية المتقدمة والخدمات الحساسة مالياً أو تكنولوجياً أو تجارياً أو قانونياً.
هذا يعني أن تجارة الثياب وألعاب الأطفال مثلاً ربما لا تتأثر كثيراً بالمقارنة مع السلع والخدمات الحرجة، وأن المواد غير الأساسية، أو التي توجد لها بدائل كثيرة دولياً، ربما لا تخضع لقانون تشظي العولمة الذي يبدو أنه يفرض نفسه حالياً.
وبموجب ذلك القانون، سوف ينخفض منسوب التجارة بين الصين والولايات المتحدة مثلاً في السلع والخدمات الحرجة تحديداً، مع بقائها عند مستويات مرتفعة نسبياً. وتظهر الإحصاءات الأمريكية الرسمية US Census Bureau أن العجز التجاري الأمريكي مع الصين بلغ أكثر بقليل من 175 مليار دولار سنة 2025، مقارنةً بنحو 353 مليار دولار سنة 2021، أو مقارنةً بأكثر من 418 مليار دولار سنة 2018.
هذا يعني أن إجراءات ترامب، وبايدن من قبله، نجحت في تخفيض العجز التجاري الأمريكي مع الصين، في حين يُتوقع أن يبلغ العجز التجاري الأمريكي مع العالم سنة 2025 ما يعادل 1.26 ترليون دولار، مقارنةً بمستواه البالغ 1.2 ترليون دولار سنة 2024، ومقارنةً بترليون دولار سنة 2021، أي أن تخفيض العجز التجاري مع الصين لن ينعكس بالضرورة في الميزان التجاري للولايات المتحدة مع العالم.
يلاحظ هنا ازدياد العجز التجاري الأمريكي مع كلٍ من تايوان وفيتنام والمكسيك، في ما يتوقع أن يكون بعضه سلعٌ صينية مصدرة عبر أطراف ثالثة، وخصوصاً عبر المكسيك وفيتنام وجنوب شرق آسيا عموماً.
العولمة لم تتوقف إذاً، لكنها تتشقق بحسب خطوط التصدع الجغرافية السياسية.
كذلك، تظهر إحصاءات مكتب الأونكتاد UNCTAD التابع للأمم المتحدة أن الاستثمار الأجنبي ازداد سنة 2025، مقارنةً بالسنة السابقة، من 1.4 ترليون إلى 1.6 ترليون دولار، أي بمقدار السُبع. لكن هذا الرقم يخفي انخفاضاً في الاستثمار في الدول النامية في مقابل ارتفاع الاستثمارات الخارجية بمقدار 43% في الدول المتقدمة والاقتصادات الكبيرة.
وكانت فرنسا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية من أهم مستقبلي الاستثمارات الجديدة. وانخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في أوروبا الشرقية بمقدار الربع، في حين ازداد في الهند بمقدار 73%.
وتركزت الاستثمارات الخارجية في قطاعات بعينها مثل مراكز البيانات وأشباه الموصلات، في حين انخفضت الاستثمارات الخارجية في قطاعات النسيج والإلكترونيات والآلات، وكذلك في مشاريع البنية التحتية.
انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين 9.5% سنة 2025، للسنة الثالثة على التوالي، وكان قد انخفض نحو 25% العام الذي سبقه. لكن بعض القطاعات الصينية مثل التجارة الإلكترونية e-commerce وتصنيع المعدات الطبية شهدت تزايداً في الاستثمار الأجنبي. وكان جزءاً مهماً من الاستثمار الأجنبي الذي وصل الصين العام الفائت من سويسرا وبريطانيا، وكلاهما خارج الاتحاد الأوروبي، ولعل ذلك يعكس الرغبة في تنويع العلاقات الاقتصادية الدولية كما أشار كارني أعلاه.
الخطر أن يؤدي افتراق القارات اقتصادياً، بين الغرب من جهة، وأوراسيا من جهة أخرى، إلى زيادة التوترات بينهما سياسياً، وخصوصاً بين الولايات المتحدة والصين بشأن تايوان. كذلك ثمة خطر بأن تؤدي التوترات في الغرب بين الولايات المتحدة وحلفائها إلى: أ – زيادة الوزن النسبي للصين في مقابل الولايات المتحدة، ب – اتخاذ أوروبا واليابان وكندا مساراً مستقلاً نسبياً عن الولايات المتحدة في تطوير التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل إمداد المواد الحرجة، كما يشير تقرير لمجموعة Evercore الاستثمارية في موقعها عن حالة العولمة اليوم، وهي صندوق يشرف على إدارة 14.4 مليار من الأصول حتى 30/6/2025.
يلخص نموذج صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، كرافعة استراتيجية لصناعات المستقبل، الافتراق بين الأقطاب الجغرافية-السياسية اقتصادياً. فأشباه الموصلات تقود الشركات الأمريكية، وخصوصاً نيفيديا NVIDIA، تصميمها. وتقود شركة TSMC التايوانية إنتاجها عالمياً. وتقود شركة ASML الهولندية صناعة الآلات والمعدات اللازمة لنقش تصميمات الدوائر المعقدة على رقائق السيليكون.
وتحاول الإدارة الأمريكية، منذ أيام بايدن، إعادة توطين صناعة أشباه الموصلات في الولايات المتحدة، لكنّ ذلك من المرجح أن يتطلب زمناً طويلاً. في المقابل، تخوض الصين، بنجاح، سباقاً ضارياً لإنشاء سلاسل إمداد وطنية لأشباه الموصلات خاصة بها لمواجهة الجهود الغربية لحرمانها من أشباه الموصلات المتقدمة.
ما زالت صناعة أشباه الموصلات الصينية متأخرة قليلاً، في المجمل، عن مثيلتها الغربية، لكنها تعدو باطراد وتسارع إلى إغلاق الفجوة التكنولوجية مع الغرب في ميدان الرقائق المتقدمة في سياق الجزء الثاني من خطة “صُنع في الصين 2025” الذي أشرت إليه في مادة “مفهوم السياسة الصناعية وموسم العودة إلى فريدريك لِست“.
والنتيجة هي تفكك صناعة أشباه الموصلات عالمياً، على خلفية ردة أمريكية عامة عن أصولية السوق الحرة، وفي موازاة اندفاعة صينية تقودها الدولة، أي القطاع العام، بالتعاون مع القطاع الخاص الكبير والصغير، لدفع الصين إلى واجهة الاقتصاد الدولي، داخلياً، من خلال تطوير الحلقات العليا للتكنولوجيا المتقدمة، في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وفي الجغرافيا السياسية، عبر مشروع الحزام والطريق.
ويناقض التقهقر إلى المركنتيلية أمريكياً، والسعي الحثيث لاستعادة القاعدة التصنيعية الأمريكية من خلال سياسة صناعية موجهة من طرف الدولة، أبجديات العولمة، في حين أن أرباب المدرسة النيوكلاسيكية توهموا أن المعركة الأيديولوجية مع النزعة المركنتيلية حسمها آدم سميث مع كتاب “ثروة الأمم” (1776)، ومع ديفيد ريكاردو (1817) ونظريته عن الميزة النسبية. (أنظر للمزيد مادة “سياسة رفع الرسوم الجمركية والردة الجديدة على آدم سميث“)
هو موسم العودة إلى المركنتيلية إذاً، وهي منظومة تنتج بالضرورة تنافساً وحروباً للسيطرة على المستعمرات ومواردها وأسواقها ومواقعها، وعلى خطوط التجارة الكبرى برياً وبحرياً، وفي الفضاء الافتراضي. كما أنها تنتج مقايضات على المستعمرات بين الدول الكبرى تغير معالم العالم ودوله باستمرار.
على سبيل المثال، كانت نيويورك في معظم القرن الـ 17 مستعمرة هولندية اسمها “نيو أمستردام”، قايضها الهولنديون مع البريطانيين في مقابل سورينام، وهي أصغر دولة في أمريكا الجنوبية، كان يعد إنتاجها الوفير من السكر آنذاك أكثر أهمية بكثير من الحصن الهولندي البارد في منطقة منهاتن في نيويورك! فأين سورينام وتجارة سكرِها من منهاتن معقل رأس المال المالي الدولي اليوم؟!
هي طريقة حساب ربما تبدو “منطقية” في لحظتها، لكنها تعيدنا دوماً إلى الفرق بين قصر نظر حسابات المصلحة المالية المباشرة في مقابل بعد نظر الحساب الاستراتيجي الدقيق للجيوبولِتيكس الذي يصنع قوى عظمى أو ينهيها.
ولعل بيع روسيا ألاسكا للولايات المتحدة في مقابل 7.2 مليون دولار فقط سنة 1867، بما يعادل نحو 150 مليون دولار اليوم، لما بدا أنه صحراء جليدية قاحلة فحسب آنذاك، هو نموذجٌ آخر لقصر نظر إعلاء المصلحة المالية المباشرة على موازين الجغرافيا السياسية، حتى من منظور اقتصادي. ولربما تكون روسيا قد أنفقت مليارات الدولارات منذ ذلك الوقت لحماية حدودها من جهة آلاسكا.
العبرة هي أن سعي ترامب للسيطرة على غرينلاند هو حساب جغرافي سياسي حصيف، من وجهة نظر إمبراطورية، ووجهة نظر صراع الأقطاب دولياً، أكبر بكثير من قيمة المعادن النادرة التي تختزنها الجزيرة، بل يُنظر إلى تلك المعادن من منظور الصراع الدولي، والقدرة على حرمان القوى المنافسة منها، لا من منظور قيمتها المالية حالياً فحسب.
الفرق هو أن العولمة جعلت الأرض أصلاً تجارياً فحسب، مثل أي مورد طبيعي آخر. أما من المنظور الجغرافي السياسي، فإن الأرض أكثر قيمةً من ذلك بكثير. ولدى وضع الجغرافيا السياسية في كفة، والحساب المالي المباشر في كفة أخرى، ترجح كفة الأولى على الثانية في كل مرة، لأنها لا تتجاوز حقيقة الوجود القومي والمصالح العامة التي تمليها الجغرافيا عليه، بل تنطلق منهما.
للمشاركة في فيسبوك:
هذا الموضوع كتب بتاريخ Thursday, January 29th, 2026 الساعة 10:17 am في تصنيف
مقالات سياسية واقتصادية. تستطيع الاشتراك لمتابعة الموضوع من خلال
RSS 2.0 تغذية الموقع.
كما يمكنك
اضافة رد, او
تعقيب من موقعك.