أخطر ما في مخرجات “مؤتمر باريس للسلام”

January 17th 2017 | كتبها

لم تترجم معظم وسائل الإعلام العربية، على ما رأيت، العنوان الحرفي الذي انعقد تحته ما يسمى بـ”مؤتمر باريس للسلام”، فقد كان Conference pour la paix au Proche-Orient، أي مؤتمر من أجل السلام في “الشرق الأدنى”، وهي التسمية الاستعمارية الفرنسية البديلة لمصطلح “الشرق الأوسط” الاستعماري الإنكليزي. والعبرة في الحالتين هي الإصرار على إنكار هوية بلادنا الحضارية، ووصفها بمرجعية المركزية الغربية، التي تجعلنا شرقاً أدنى أو أوسط بالنسبة لهم، ولا تجعل أوروبا غرباً أوسط وشمال أمريكا غرباً أقصى، بالنسبة لنا. والحكمة من تسمية من هذا النوع هي تغطية مشروع التفكيك، من جهة، ابتداءً من سايكس-بيكو قبل مئة عام، وتغطية “حق” الكيان الصهيوني بالوجود على أرض مغتصبة من جهةٍ أخرى.

لكن هذا ليس أخطر ما في “مؤتمر باريس للسلام”، ولا عدم وضع آلية وجدول زمني للوصول إلى “دولة فلسطينية”، ولا مساواة “أعمال العنف”، أي المقاومة، بالاستيطان، ولا تكريس المفهوم “الإسرائيلي” للوصول إلى “السلام” عن طريق مفاوضات مباشرة، كما ذهب البعض، بل تتلخص أهم مخرجات مؤتمر باريس في البند التالي:

“جَمع منتديات المجتمع المدني الاسرائيلية والفلسطينية من اجل تعزيز الحوار بين الاطراف واعادة احياء الرأي العام وتعزيز دور المجتمع المدني لدى الجانبين.”

هذا البند في البيان الختامي للمؤتمر يعني التطبيع الشعبي، وكسر حاجز العداء مع الكيان المحتل الغاصب، حتى قبل ومن دون تحقيق أي تقدم في عملية التسوية (التي نرفضها من حيث المبدأ جملة وتفصيلاً)، على أمل أن يقبل المحتل بتقديم بعض التنازلات التي يمكن أن تحرك ما يسمى بـ”عملية السلام”! أي أنه تطبيع مجاني وأحمق حتى من وجهة نظر المؤيدين لعملية التسوية، والحمدلله كثيراً أننا لسنا منهم…

الهدف من “مؤتمر باريس للسلام” أصلاً هو إعطاء دفعة للتيار الفلسطيني خصوصاً، والعربي عموماً، المؤدلج ببرنامج “الدويلة”، و”النضال الدبلوماسي”، و”مكافحة أعمال العنف (أي المقاومة) كعائق أمام نيل تأييد الرأي العام الدولي”، في وجه بيئة أمريكية وصهيونية تدفع أي عاقل دفعاً للتخلي عن مثل ذلك البرنامج التفريطي.

العبرة هي ربط النضال الوطني الفلسطيني بقرار دولي، وبمشروع اندماج بالترتيبات الإمبريالية للمنطقة، بدلاً من المشروع الوحيد القادر على حفظ القضية العربية في فلسطين في هذه المرحلة الصعبة، مشروع المقاومة والتحرير.

إبراهيم علوش

17/1/2017

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/185865588097027/photos/a.659772147373033.1073741827.185865588097027/1600814079935497/?type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

حول الإعلان عن الانسحاب الأمريكي من سورية

حتى ساعاتٍ مضت، كانت الإشارات الصادرة من واشنطن توحي بأنها "باقية وتتمدد" في سورية، لا سيما مع الإعلان عن تأسيس نقاط وقواعد عسكرية جديدة لقوات "التحالف"، ومع تصريحات جيمس جيفري، المبعوث [...]

حول تعبير شعوب أو لغات “سامية”

  نجح المستشرقون باستدخال تعبير شعوب أو لغات "سامية" semitic للدلالة على الأقوام التي عاشت تاريخياً في المشرق العربي واللهجات التي يتحدثونها.. ويعرف من يعيشون في الغرب أن المقصود بتعبير "سامي" [...]

البعد الاقتصادي لاحتلال شرق سورية

إبراهيم علوش بالإضافة للبعد الجغرافي-السياسي، المتمثل بإقامة حاجز بين سورية والعراق، وقطع التواصل بين  أجزاء محور المقاومة، لا بد من التذكير بالبعد الاقتصادي فيما يتعلق بمناطق سيطرة "قسد" [...]

ما قبل تطبيع حكام الخليج

لاحظوا أن السلطة الفلسطينية تتذرع دوماً بأنها وقعت المعاهدات مع العدو الصهيوني "لأن العرب تخلوا عن فلسطين"، ولاحظوا أن أنور السادات وقع كامب ديفيد بذريعة أن "العرب تخلوا عن مصر"، ولاحظوا أن [...]

حول قرار عدم تجديد “تأجير” منطقتي الباقورة والغمر الأردنيتين للكيان الصهيوني

إبراهيم علوش من المؤكد أن استعادة السيادة العربية على أي شبر من الأراضي العربية المحتلة هو أمر جيد وإيجابي، ولكن يبقى السؤال: ماذا يعني بالضبط أن تعود الأراضي عن طريق المعاهدات والاتفاقات مع [...]
2019 الصوت العربي الحر.