“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

April 26th 2017 | كتبها

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من “عاصفة الجنوب”  

د. إبراهيم علوش

يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة العربية في عمان نهاية الشهر الفائت جاء مباشرة عقب تبدل لهجة الإدارة الأمريكية إزاء سورية، لا كنتاج لمشكلة ما بين سورية والأردن، وأن التصعيد الإعلامي بدأ عملياً مع تصريحات تناولت “مستقبل الحكم في سورية”، مع أن مثل هذا الأمر شأنٌ سوريٌ داخلي!  وترافق ذلك مع تبني الاتهامات الأمريكية بصدد كيماوي خان شيخون،  ومن ثم تأييد استهداف مطار الشعيرات، بالتناغم مع تصعيد إعلامي أمريكي وغربي جديد ضد الدولة السورية كان ما سبقه مباشرة هو جنوحٌ تدريجيٌ نحو تطبيع العلاقات وتبريد اللهجة واعتبار الحرب على الإرهاب التكفيري الأولوية الأولى.

التصعيد الإعلامي بين طرفين حرصا لسنوات على تجنبه في ظروف دقيقة وحساسة يبدو أنه نتاج تحول في الأجندة الميدانية والسياسية لأحدهما، لتصبح المواجهة الإعلامية مؤشراً، مع غيرها، لما قد يأتي على الأرض، بدءاً بمشاريع “المناطق الآمنة” في سورية التي ظل ترامب يلهج بها قبل وبعد وصوله للبيت الأبيض، وصولاً للتحشيد العسكري الأمريكي والبريطاني على الحدود السورية-الأردنية، وما رشح عن سياحة وفد عسكري أمريكي وبريطاني في مناطق تسيطر عليها العصابات المسلحة جنوب سورية، والتقارير المتواترة عن ارتفاع كبير في منسوب الدعم والتدريب لبعض الفصائل المحسوبة على غرفة “الموك” في الأردن والتي يبدو أن تُهيأ لدور ما جنوب سورية، ومنها فصائل ما يسمى بـ”الجبهة الجنوبية” التي تقاتل جنباً إلى جنب مع “النصرة” في المنشية وغيرها، فكيف يعقل القول أن تعزيزها يأتي في سياق السعي لمحاربة “داعش” و”النصرة” جنوب سورية؟!   ويذكر أن الوفد الأردني في لقاء الآستانة في شباط الفائت أكد أن فصائل “الجبهة الجنوبية” باتت مستعدة لمحاربة “داعش” و”النصرة”.

ولا ينكر الكتاب المحسوبون على النظام في الأردن: 1) تزايد الحشود على الحدود الأردنية-السورية، 2) بالتنسيق مع الولايات المتحدة، 3) ومع قواتها الموجودة على الأرض في الأردن، 4) وأن هناك خططاً للقيام بعمليات عسكرية داخل سورية، 5) وأن هناك علاقة دعم لمجموعات مسلحة داخل سورية، كما يستطيع أن يرى من يجرُد بعض ما كتب خلال الأيام الماضية، مع أنه أمرٌ لا يمكن أن تقبل به أي دولة ذات سيادة في العالم.

ذريعة محاربة “داعش” ماثلة في الخلفية دائماً بالطبع، لكنْ عندما يبدو أن الحصيلة الموضوعية لـ”محاربة داعش” هي وضع اليد بشكل مباشر أو غير مباشر على قطعة من الجغرافيا السورية، من ريف حمص جنوباً إلى الرقة شمالاً، ضمن استراتيجية التعاون الأمريكي مع بعض الفصائل الكردية لفصل شرق سورية عن غربها، ومن بؤرة حوض اليرموك إلى عموم سهل حوران جنوباً، لتحويله إلى منطقة نفوذ خارجة عن سيطرة الدولة السورية بغطاء أمريكي وإقليمي، فإن المرء لا يسعه إلا أن يتساءل: أليس من المنطقي أن يبدأ من يسعى لمحاربة “داعش” وأخواته بالتنسيق الحثيث مع القوة الأولى التي تحارب الإرهاب على الأرض لا أن يعاديها ويحاربها؟  وأن تكون استراتيجية محاربة “داعش” وأخواته منبثقة من ضرورة تعزيز الحكومة المركزية في دمشق وإعادة كل جزء من سورية لسيادة الدولة؟  أوليس من المنطقي، بعد ما جرى في الصومال والعراق وليبيا واليمن، وما جرى في سورية نفسها، أن يفهم من يقول أنه يريد محاربة “داعش” أن السعي لتفكيك البلد وإضعاف حكومته المركزية سوف يخلق البيئة الأمثل لانتشار نسخٍ أخرى من فيروس الإرهاب التكفيري (والنزعات الانفصالية) بعد “داعش”؟  وهذا إذا أردنا تجاهل كل الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة وحلفاؤها لـ”داعش” والتكفيريين عموماً لسنوات.

إذاً يدور الحديث فعلياً عن شيء آخر غير محاربة “داعش”، أو بذريعة محاربة “داعش” بالأحرى، وهو السعي لوضع اليد على أجزاء من سورية، مما لا يختلف قيد أنملة عن مشروع التفكيك الصهيوني للمنطقة، كما أن محاولة اقتطاع “منطقة آمنة” لا يختلف بشيء عن سعي الكيان الصهيوني الفاشل لتأسيس شريط حدودي في القنيطرة، في سياق دعمه المباشر للعصابات المسلحة في الجنوب السوري، واستهدافه الحثيث لمن يحارب تلك العصابات المسلحة في القنيطرة وعموم سورية والإقليم.

ولا شك في أن الحركة الصهيونية العالمية، التي راحت تعزف مؤخراً على وتر الكيماوي السوري، ليست ببعيدة عن تحولات الإدارة الأمريكية ومن يسير في ركابها، ولا الدولة العميقة في الولايات المتحدة ببعيدة عنه، ولا عما يجري من تحشيد وتلويح باستخدام القوة، ولو لم يتم.  وذلك أن استخدام القوة بشكل غير متكرر لإبقاء التهديد باستخدام القوة بشكل متكرر ماثلاً، يحقق الكثير من الأهداف السياسية بكمية أقل من الجهد والموارد البشرية والمادية، ويمثل مبدأً من مبادئ الفلسفة السياسية للإمبريالية الأمريكية.  لكن مثل هذه العنتريات لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن القيادة السورية المخضرمة ليست من النوع الذي يضعف أمام التهديدات الأمريكية، وقد سبق أن وضِعت في موقفٍ أصعب بكثير عشية احتلال العراق، من دون أن يرمش لها جفن، ولترامب أن يسأل كولن باول إن كان لا يصدق.

باختصار، التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري، سواء تحقق أم لم يتحقق، أو تحقق بشكل جزئي عبر وكلاء سوريين أو إقليميين، ما دام الموقف الروسي صلباً، لن يكون أفضل حالاً من “عاصفة الجنوب” من قبل، ومن التهديد الذي احتضنته تركيا من الشمال، والذي تسبب بدمارٍ كبير، لكنه لم ينجح بتحقيق أهدافه، لا بل استورد حالة عدم الاستقرار إلى الداخل التركي.  والفيتو الروسي الأخير في مجلس الأمن قبل أسبوعين ضد مشروع قرار أمريكي-بريطاني-فرنسي ضد سورية أسقط الرهانات على انقلاب في الموقف الروسي في سورية، لأن التمدد الأمريكي يمثل محاولة لمحاصرة روسيا أيضاً، وهذا لا تلعب روسيا فيه.

في جميع الأحوال، قد يتصاعد العبث بالجنوب السوري، لكن الأمريكيين والبريطانيين سيرحلون إن عاجلاً أم آجلاً، وسيظل أهل المنطقة ليدفعوا الثمن، والأخطر على الأردن وأمنه واستقراره من فشل مشروع فتح الجبهة الجنوبية هو نجاحه، لأن الجبهة الجنوبية ليست إلا مشروع مأسسة التفكيك وعدم الاستقرار في سورية، ومثل ذلك الثقب الأسود سوف يجر الأردن أيضاً في ركابه.

http://tishreen.news.sy/?p=86695

تشرين، 26/4/2017

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=1704994536184441&id=100000217333066&pnref=story.unseen-section

الموضوعات المرتبطة

اتفاق إدلب بين أردوغان وبوتين أجّل المعركة زمانياً، وحسن شروط تحقيق النصر فيها

اتفاق إدلب بين بوتين وأردوغان يعني عدة أشياء، أولها أن معركة إدلب يتم تأجيلها، ولكن مثل هذا التأجيل يعتمد على التزام تركيا بعزل النصرة والمجموعات المشابهة لها التي تعتبرها روسيا أكثر دمويةً [...]

الكونفدرالية الثلاثية ليست مشروعاً جديداً… وهي مشروع تحويل الأردن وفلسطين إلى جسر عبور صهيوني باتجاه الوطن العربي

إبراهيم علوش تناقلت وسائل أعلامية مختلفة تصريحات لمحمود عباس يقول فيها أنه يؤيد الكونفدرالية مع الأردن بشرط أن يكون الكيان الصهيوني جزءاً منها، بعد أن طرح عليه ترامب هذه الفكرة. والحقيقة [...]

حزام وطريق واحد: مبادرة صينية لقلب ميزان القوى العالمي

د. إبراهيم علوش "حزام وطريق واحد" هي مبادرة عملاقة أطلقها الرئيس الصيني تشي جينبينغ، ورئيس الوزراء لي كقيانغ، خلال زيارات لعدد من الدول الآسيوية والأوروبية في العام 2013، وأصبحت بعدها محور [...]

منحنى لافر Laffer Curve وجباية الضرائب في الأردن

من المعروف أن العبء الضريبي على المواطن الأردني هو الأعلى في الوطن العربي، ومن أعلى المعدلات في العالم. ويدفع المواطن الأردني حوالي مئة ضريبة، وتشكل ضريبة المبيعات (16%) مركز الثقل في [...]

ما هي ضريبة المبيعات؟

أخذت الحكومة عشرين ديناراً من زيد الذي يبلغ راتبه 200 دينار، وخمسين ديناراً من عمرو الذي يبلغ دخله ألف دينار. قد يبدو للوهلة الأولى هنا أن عمرو دفع ضريبة أكبر من التي دفعها زيد، ولكن العكس، في [...]
2018 الصوت العربي الحر.