موقفنا: مع الحراك الشعبي الأردني ضد رفع الأسعار والضرائب والتغول على قوت الناس بالضرورة، ولكننا لا نعتبر شعار “إسقاط الحكومة” بديلاً عن التغيير الجذري في النهج والسياسات…

June 1st 2018 | كتبها

مادة للنقاش –

الناس يرون ما هو ماثل أمامهم. فلا نملك أن نلومهم إن ثاروا ضد الفساد والاستبداد، أو ربطوا ما بين هاتين الظاهرتين وما بين أشخاص معينين، لا نظام بأكمله، لكننا لا نستطيع أن نفصل المطلب الديموقراطي والاقتصادي عن مطلب التحرر الوطني، ولا أن نفصل وعي الحرية في الداخل عن وعي الحرية في الخارج، لأننا لا نستطيع فصل الفساد والاستبداد عن التبعية والتجزئة. فهل كان من الممكن لسلطة تنسق أمنياً مع العدو الصهيوني أن تكون غير فاسدة مثلاً؟ وهل يمكن لسلطة تقوم في ظل الاحتلال في العراق أن تكون غير فاسدة؟ وهل يمكن أن تستند أنظمة تقوم في ظل الحدود التي رسمها الاستعمار، مهمتها الحفاظ على تلك الحدود المصطنعة، أن لا تكون مستبدة وفاسدة؟! وهل يمكن أن ننسى مثلاً أن فرض قانون الصوت الواحد، لإنتاج مجلس نواب أردني موالٍ بالكامل، كان ضرورة قانونية لتمرير معاهدة وادي عربة، وأن ننسى أن بيع الثروات العامة للشركات الأجنبية في الأردن يمثل استمراراً لنهج وادي عربة والتطبيع مع العدو الصهيوني؟!

فإذا أردنا حراكاً شعبياً حقيقياً في الأردن، فإن ذلك سيأتي فقط عبر: 1 – طرح نقاط التناقض مع النظام بوضوح، وليس تمييعها، 2 – التركيز على السياسات لا الشخصيات، 3 – ربط السياسات الداخلية والاقتصادية بالتبعية للخارجية والتطبيع مع العدو الصهيوني، وبالأخص، معاهدة وادي عربة، 4 – ربط المطالب الجزئية، على أهميتها، بمجمل مشروع التغيير، 5 – التركيز على البعد العروبي للحراك والهوية والرؤى السياسية التغييرية، 6 – الالتزام الكامل بمشروع تحرير فلسطين، 7 – كشف القوى والبرامج التي تسعى لإعادة إنتاج التبعية تحت غلاف “الإصلاح الدستوري والديموقراطي”، وإعادة إنتاج الخريطة الإقليمية للتبعية تحت يافطات إسلامية أو ليبرالية.

لذلك فإن تمحور برنامج الشارع حول مطلب “إسقاط الحكومة” وتشكيل “حكومة إنقاذ وطني” لا يحقق أياً من الأهداف أعلاه… وإذا أخذنا حالة الأردن بالتحديد، فقد لاحظنا في مستعل ما يسمى “الربيع العربي” بعض الأصوات التي راحت ترفع شعار إسقاط حكومة سمير الرفاعي كهدفٍ للاحتجاج… وهي حكومة كانت قد جاءت في نهاية عام 2009 فحسب! وما أن سقطت حكومة الرفاعي حتى صار إسقاط حكومة معروف البخيت هدف الاحتجاج. وقد سبق أن سمعنا شعار “إسقاط الحكومة” على مر السنين خلال عهود الحكومات الأردنية السابقة التي لم يستمر بعضها في الحكم أكثر من بضعة أشهر. فهل أدى إسقاط حكومة الرفاعي إلى إيقاف مسيرة الخصخصة أو بيع القطاع العام للخارج أو تصاعد الديون العامة أو تفاقم الأزمة المعيشية بشكل عام؟ وهل تشكلت تلك الأزمة فقط خلال العام الماضي في ظل هاني الملقي مثلاً؟ وهل كان يملك الرفاعي أو البخيت، أو الخصاونة أو الطراونة أو النسور، أو أي رئيس وزراء قبلهما أو بعدهما، القدرة على تغيير النهج الاقتصادي والسياسي للدولة بشكل جذري؟!!

إن تغيير حكومة الرفاعي أو البخيت أو الخصاونة أو الطراونة أو النسور أو الملقي أو غيره، أو تغيير أي حكومة عربية، سهلٌ جداً ويمكن أن يتم بجرة قلم، ولا يعني شيئاً أصلاً، لأن الوزراء في بلادنا لا يحددون سياسات وإستراتيجيات كبرى، بل هم مجرد إداريين مهمتهم تنفيذ ما حدده غيرهم، وأن يلعبوا عند الضرورة دور “مانعة صواعق”. ومن يقنع الناس في احتجاجهم أن تغيير وزير أو وزارة هو الحل للأزمة العامة، وليس تغيير النهج والسياسات الاقتصادية والخارجية بالتحديد، فإنه ينفس التحرك بـ”القوة الناعمة” بغض النظر عن حسن نواياه، ويقدم هديةً سياسية قيمة للقائمين على النهج والسياسات التي سببت الأزمة، ويشكل بحد ذاته عامل “استقرار” أخر بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ سلبية، ولن نثير هنا ظاهرة الداعين لإسقاط الحكومات المتتابعة قصيرة العمر لأنهم مستوزرون أو لأنهم ما هو أقل بكثير من مستوزرين، لذا سنبقى في إطار حسن النوايا ومناقشة التقديرات السياسية فحسب.

إن نهج التبعية الاقتصادية الذي سوقته الشريحة الاجتماعية المستفيدة منه هو النهج الذي خلق الأزمة الاقتصادية وهو نفسه نهج وادي عربة، فالسياسة الداخلية والخارجية هنا وجهان لعملة واحدة. وبالتالي فإن التخلص من التبعية الاقتصادية يقتضي التخلص من سياسات الشريحة التي فرضت موقفها ورؤيتها في التعاطي مع العدو الصهيوني، فالقضية ليست قضية “إسقاط وزارة” أو حتى قضية إصلاحات ديموقراطية أو دستورية فحسب، بل قضية تغيير جذري في النهج.

إن المشروع الديموقراطي لا يمكن أن يجد مداه الحيوي في ظل شروط التبعية للإمبريالية والصهيونية، كما أن الاستحقاقات القانونية للمعاهدة، وللعلاقة مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، ستفرغ أي مشروع ديموقراطي من مضمونه، وستحول الديموقراطية إلى ديكور انتخابي لاستعباد الوطن ما دام مكبلاً بقيود المساعدات السياسية والقانونية وبشروطها. فلا حرية ولا ديموقراطية في البلاد المستعبدة للخارج، والتحول الديموقراطي في الأردن يقتضي التخلص من ربقة المعاهدة. ومن الواضح طبعاً أن مشاريع التحول “الديموقراطي” التي تدفع الولايات المتحدة باتجاهها تأتي ضمن هذا السياق لتكريس التبعية على قاعدة “احترام” المعاهدات الدولية وما شابه. والساعون اليوم لنيل حصة أكبر في السلطة على قاعدة إيجاد موطئ قدم في مشروع “الإصلاح” الأمريكي لا يمثلون بديلاً حقيقياً للأردن، ولا رؤيا مختلفة، سواء تلحفوا بعباءة الإسلام السياسي أو الليبرالية أو “الحقوق المنقوصة” أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء الذي لا يعود، بل يمثلون جميعاً تعميقاً للنهج القديم يحظى بالمشروعية القانونية والدستورية والدولية أكثر من الحكم الفردي، وهم لا يمانعون ذلك ما برحوا يحظون بحصة أكبر في السلطة. فمشاريعهم لا وطنية ولا أردنية، ولا فلسطينية ولا إسلامية ولا ديموقراطية، بل أمريكية في النهاية.

إننا في الأردن بالذات لا يمكن أن نطرح حراكاً “إصلاحياً” حقيقياً بشكل منفصل عن مطلب إعلان بطلان معاهدة وادي عربة، أولاً، لأن إقرار المعاهدة تطلب إقرار قانون الصوت الواحد وتطلب الانقضاض على كل مسيرة التحول الديموقراطي التي بدأت مع انتفاضة نيسان عام 1989، وصولاً لقوننة الأحكام العرفية عن طريق مئات القوانين المؤقتة، ثانياً، لأن الشريحة الاقتصادية-الاجتماعية المستفيدة من المعاهدة والتي تدفع للتمسك بها هي نفسها الشريحة المستفيدة من الفساد ومن بيع القطاع العام فلا يمكن فصل النهج الاقتصادي عن النهج السياسي، ولا التغيير الاجتماعي عن التغيير السياسي، ولا إحقاق حقوق المواطن عن فك التبعية للخارج، ثالثاً، لأن معاهدة وادي عربة ليست مجرد معاهدة سلام مع العدو الصهيوني، بل هي معاهدة تكرس التبعية للكيان الصهيوني، حيث أن خمسة عشر بنداً من بنودها، من أصل ثلاثين، مكرسة للتكامل العضوي مع الكيان الصهيوني، رابعاً، وهنا بين القصيد، لأن البند الثامن من المعاهدة يتحدث عن توطين اللاجئين، وهذا يعني أن الإصلاح الديموقراطي، في ظل غياب مشروع حقيقي لتحرير فلسطين، هو وصفة للتوطين السياسي، أي لتصدير أزمة الكيان الصهيوني للأردن بالتحديد.

للمشاركة على فيسبوك:

موقفنا: مع الحراك الشعبي الأردني ضد رفع الأسعار والضرائب والتغول على قوت الناس بالضرورة، ولكننا لا نعتبر شعار "إسقاط…

Geplaatst door ‎لائحة القومي العربي/ الصفحة الرسمية‎ op vrijdag 1 juni 2018

الموضوعات المرتبطة

ذكرى وعد بلفور ال103 ووعد بلفور الجديد

إذا كان آرثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني عندما أصدر وعده الشهير في 2/11/1917، المعروف باسم "وعد بلفور"، والذي ينص على دعم بريطانيا لإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين"، قد مهد لتأسيس دولة [...]

الرد السوري العملي على تهافت الخاضعين تحت النعال الأمريكي

  نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية قبل يومين أن كاش باتل، مسؤول قسم مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي الأمريكي، وأحد موظفي البيت الأبيض الكبار، أتى إلى دمشق قبل بضعة أسابيع، [...]

د. عماد لطفي ملحس (عمر فهمي) يتوفى اليوم في عمان

بمزيد من اللوعة والأسى، ننعى إلى المناضلين القوميين والمقاومين بالكلمة والسلاح وعموم أمتنا العربية وجماهير شعبنا في الأردن وفلسطين الدكتور عماد لطفي ملحس، الذي ربما عرفه البعض باسمه [...]

بالأرقام.. النظام التركي أكبر مطبع في كل المنطقة رغم تصريحاته الرنانة

زعم ياسين قطاي، مستشار الرئيس التركي أردوغان، في مقالة على موقع "الجزيرة نت" يوم 25/9/2020، أن العلاقات التطبيعية بين تركيا والكيان الصهيوني ورثها حزب العدالة والتنمية عمن سبقوه، وأنها [...]

فلنحاصر الأسماء العبرية للأرض العربية بالمزدوجات

شيء بسيط يمكن أن نقوم به لمقاومة تسلل التهويد إلينا نفسياً وإعلامياً... لا يكفي أن نضع "إسرائيل" و"إسرائيلي" بين مزدوجين، وأن نستخدم الكيان أو العدو الصهيوني عوضاً عنهما حيث أمكن، بل لا بد من [...]
2020 الصوت العربي الحر.