حول الإعلان عن الانسحاب الأمريكي من سورية

December 20th 2018 | كتبها

حتى ساعاتٍ مضت، كانت الإشارات الصادرة من واشنطن توحي بأنها “باقية وتتمدد” في سورية، لا سيما مع الإعلان عن تأسيس نقاط وقواعد عسكرية جديدة لقوات “التحالف”، ومع تصريحات جيمس جيفري، المبعوث الخاص للإدارة الأمريكية في سورية، يوم الأربعاء، قبل ساعات من إعلان الانسحاب، أن “على إيران وميليشياتها الخروج من سورية”، وتصريح جيفري قبل ذلك، في نهاية أيلول/ سبتمبر الفائت، لقناة “الحرة” أن “الولايات المتحدة ستبقى في سورية إلى حين انسحاب إيران ووكلائها”، وتصريح جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي في نهاية أيلول أيضاً “إننا لن نغادر ما دامت القوات الإيرانية خارج الحدود الإيرانية، وهذا يتضمن الميليشيات والوكلاء الإيرانيين”، وكذلك هناك تصريح بريت ماغورك المبعوث الرئاسي الأمريكي لما يسمى “التحالف الدولي ضد الإرهاب” الأسبوع الفائت الذي قال فيه أن الأمريكيين باقون في سورية بعد هزيمة داعش لضمان الاستقرار في تلك المناطق!

لذلك تشير وسائل الإعلام الأمريكية إلى أن إعلان ترامب سحب القوات الأمريكية من سورية جاء مفاجئاً لمسؤولي وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، حتى أن وزارة الخارجية الأمريكية ألغت مؤتمرها الصحفي اليومي الأربعاء بعد الإعلان عن قرار الانسحاب من سورية. كما أن بياناً حكومياً بريطانياً أكد أن الحملة ضد داعش سوف تستمر بعد الإعلان الأمريكي.. وأطلق عدد من حلفاء ترامب المقربين في الإدارة الأمريكية، مثل السيناتور ليندسي غراهام، تصريحات معارِضة ومحذرِة من عواقب قرار الانسحاب من سورية.

ما سبق يوحي أن القرار إما أنه أتى مرتجلاً في “لحظة تجلي تويترية” عند ترامب (انسجاماً مع قناعاته الأولى التي عبر عنها خلال الحملة الانتخابية الرئاسية بضرورة الانسحاب من المشاريع العسكرية الخارجية من أجل التركيز على الداخل الأمريكي) من دون حوار حقيقي في صفوف النخبة الحاكمة الأمريكية، أو أنه نتاج لعبة أمنية ما، حيكت في الظلام، من أجل تفجير الوضع في سورية على نطاق أوسع، بعدما أدرك الأمريكيون أن بقاءهم على الأرض، كحامٍ للمشروع الكردي الانفصالي، سوف يكلفهم العلاقة مع تركيا من جهة، وسوف يتطلب المزيد من التورط طويل المدى وغير مأمون العواقب في سورية من جهةٍ أخرى.

الإدارة الأمريكية والبنتاغون يقولان أن الانسحاب من سورية بدأ بالفعل، ولكن هل يعني ذلك أن الحملة الجوية المزعومة ضد داعش سوف تتوقف، أو أن الغطاء الجوي عن مناطق سيطرة ميليشيات “قسد” سوف ينحسر؟

وهل يعبر الانسحاب الأمريكي عن صفقة مع الأتراك على حساب الميليشيات الكردية، أم أنه جزء من استراتيجية لإعادة إحياء داعش في شرق سورية، لا سيما مع ما رشح من معلومات خلال الأشهر الأخيرة عن عمليات نقل لمسلحي داعش إلى أماكن مجهولة تم “تسريب” معلومات إعلامية أنها تمتد من الصين إلى المغرب العربي ربما للتعمية على أن أولئك المسلحين يتم إعدادهم لشيء ما شرق سورية وغرب العراق؟

الأمر الذي لا شك فيه هو أن الميليشيات الكردية الانفصالية “أكلت خازوقاً” بكل ما للكلمة من معنى في رهانها الأحمق، للمرة المئة، على “الحليف الأمريكي”، ومن المستبعد أن تقوم قوات “التحالف” بقصف القوات التركية جوياً أو صاروخياً إن قامت بمهاجمة “قسد” كما توعد أردوغان.

والأمر الآخر الذي لا شك فيه هو أن الميليشيات الكردية الانفصالية لم يبق لديها من خيار، بعيداً عن الانتحار، إلا النزول من الشجرة العالية التي صعدت إليها إلى أرض الواقع الذي يفرض عليها التفاهم مع الدولة السورية، من دون التظاهر أنها في موضع من “يفرض شروطه” في ظل انكشافها أمام فكي كماشة تركي وداعشي.

إن جبهة موحدة عربية-كردية هي وحدها ما يمكن أن ينزع الذرائع من تركيا لشن حملة في شمال شرق سورية، كما أنها تقلل من كلفة مواجهة أي انبعاث داعشي في شرق سورية، لا يمكن إلا أن يكون مدعوماً أمريكياً، في محاولة لخلط الأوراق وخلق حاجز بين سورية والعراق وإعاقة عودة سورية إلى بر الأمان والاستقرار.

يعبر الإعلان عن الانسحاب الأمريكي، بجميع الأحوال، عن نصرٍ سوريٍ لأنه يكشف عن عجز الأمريكان عن فرض رؤيتهم في سورية من خلال الاحتلال المباشر، وهو ما أشرنا إليه مراراً من قبل، وعن اضطرارهم للجوء إلى أدوات بديلة، عبر استجرار تدخل تركي، إذا تعنت الأخوة الأكراد، واستجرار انبعاث داعشي حرص الأمريكيون على المحافظة على جذوته مشتعلة من خلال حماية التكفيريين من التنف إلى البوكمال إلى شرق الفرات عموماً. ومن الملفت هنا تعليق نتنياهو الهادئ، في تغريدة على “تويتر”، حول إعلان الانسحاب الأمريكي من سورية أن الأمريكيين “أوضحوا لي أنه توجد سبل أخرى للتعبير ميدانيا عن تأثيرهم”.

الشيء الأكيد الذي لا شك فيه هو أن تحرير شرق سورية من الدواعش، وغيرهم، لن يكون أمراً عسيراً على الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة إذا لم يتدخل ما يسمى “التحالف الدولي ضد الإرهاب” جوياً أو صاروخياً. وأن هذا الباب انفتح الآن، وأنه يقربنا خطوة أخرى إلى إعلانٍ آخر ينتظر سماعه كل شرفاء العرب، وهو إعلان النصر العربي السوري الناجز.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2489267301090490&set=a.306925965991312&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

ما هي العروبة الحضارية؟

د. إبراهيم علوش هل تقوم العروبة على أساسٍ عِرقي أو عنصري، كما يزعم البعض؟ وهل يشكل الانتماء لـ"عِرقٍ عربيٍ صافٍ" أحد شروط الانتماء للعروبة، بما يخرج منها من لا ينحدرون من أصلابٍ عربية صرف من [...]

ثقافة “الوجبة السريعة” والصراع على وعي الكتلة الشبابية

د. إبراهيم علوش فجوة التواصل مع الشباب التي تطرق إليها د. عبداللطيف عمران مشكوراً، في مقالته "من يخاطب الشباب؟"، الأربعاء الفائت، تفتح الباب على تساؤلاتٍ كثيرة لطالما واجهت دعاة التحرر الوطني [...]

هل القضية الفلسطينية شأنٌ سوري؟

د. إبراهيم علوش لعل من أسوأ آثار سنوات الحرب الممتدة على سورية، والحصار الخانق، أن هناك من يظن أن هذه الآثار ستدفع البعض ليتساءل: ما لنا وفلسطين والقضية الفلسطينية؟ ولماذا لا نوقع معاهدة أو [...]

عروبة سورية: قدرٌ أم خيار؟

د. إبراهيم علوش ليس سراً أن بعض السوريين باتت لديهم ردة فعل حادة إزاء العروبة خلال السنوات الفائتة لعدة أسباب منها ما عانته سورية من ممارسات إرهابية وأعمال إجرامية ومواقف سياسية رعتها بعض [...]

فتح قومي عربي أم “غزو إسلامي”؟

- تعبير "الأقوام السامية" مصطلح توراتي، وغير علمي، وهو مثل "الشرق الأوسط" يستخدم للتعمية على حقيقة كون هذه الأقوام تشترك بقاسم مشترك واحد هو العروبة، وبالتالي فإن مصطلح "الأقوام السامية" يجب [...]
2019 الصوت العربي الحر.