الصراع في عالمنا المعاصر: بين من، ولماذا يستعر؟

July 7th 2022 | كتبها

إبراهيم علوش – الميادين نت  28/3/2022

تسخّف الأدبيات الاقتصادية الغربية من روسيا في كثيرٍ من الأحيان، قائلةً إن حجم اقتصادها، إذا قسناه بقيمة ناتجها المحلي الإجمالي GDP، البالغ 1.65 ترليون دولار في عام 2021 مثلاً، لا يصل حتى إلى 2% من الناتج الإجمالي لكل دول العالم، المقدر بـ94 ترليون دولار، بحسب إحصاءات صندوق النقد الدولي.  فيما بلغت قيمة الناتج الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية عام 2021 مثلاً، 24.4% من الناتج الإجمالي العالمي.  أما الناتج الإجمالي الصيني، فبلغ، في عام 2021، حوالي 18% من الناتج الإجمالي لكوكبنا.

كما جاء الاقتصاد الروسي، بحسب تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية، من صندوق النقد الدولي إلى البنك الدولي، مروراً بالأمم المتحدة، في المرتبة 11 عالمياً من حيث حجمه أو ناتجه المحلي الإجمالي، من بعد دولٍ مثل كوريا الجنوبية وكندا وإيطاليا وفرنسا، التي جاءت في المرتبة العاشرة والتاسعة والثامنة والسابعة، بالتوالي، من حيث حجم اقتصادها عالمياً، رغم أنها أقل مساحةً وسكاناً من روسيا.

غالباً ما يقال بعدها أن الاقتصاد الروسي اقتصادٌ ريعيٌ، يعتمد على تصدير الخامات عموماً، والنفط والغاز خصوصاً.  والحقيقة أن التمعن في ميزان مدفوعات روسيا لعام 2021 (ميزان المدفوعات بالطبع  Balance of Payments، هو سجل التعاملات المالية والاقتصادية للاقتصاد الوطني لأي دولة مع بقية دول العالم)، يظهر، بحسب إحصاءات البنك المركزي الروسي، أن صادرات روسيا عام 2021 البالغة 341 مليار دولار أمريكي، كان 166.8 مليار دولار منها نفطاً وغازاً وطاقة، بما يوازي حوالي 49% من مجموع الصادرات، وأن الـ 174.2 مليار دولار الباقية شكل القمح والحبوب والمعادن والماس إلخ… جزءاً غير يسيرٍ منها، بالرغم من وجود مكون مصنّع لا بأس به فيها، من الأسلحة إلى الآلات والمعدات والسيارات إلى غيرها.

يذهب البعض بعدها إلى التركيز على تأخر قطاع الصناعات الاستهلاكية، مثل السلع المعمرة، الأدوات الكهربائية مثلاً، وتأخر قطاع الخدمات، الخدمات المالية والمصرفية مثلاً، مقارنةً بالغرب والشرق الاقتصاديين، من حيث الجودة.

والحقيقة أن مثل هذا الخطاب عن روسيا شائعٌ إلى حدٍ كبير حتى عربياً.  فما هي حقيقته؟

إن فحوى الخطاب الغربي فعلياً هو: روسيا ليست قوة دولية عظمى، بل قوة إقليمية منتفخة عناداً وغطرسةً (لاحظوا الرسالة الإعلامية الغربية المتكررة عن “عناد” الرئيس بوتين)، كما أن بنية اقتصادها لا تسمح لها بأن تقارن نفسها بالقوى العظمى.  وعليها إذاً أن تلتزم حدود قوتها وترعوي وتفسح في المجال للكبار، أي للغربيين، بحسب المقاييس المعتمدة أعلاه.

لكنْ، دعونا ندقق في مقاييس تقييم حجم الاقتصادات المختلفة، وبالتالي في تقييم وزنها النسبي ومرتبتها العالمية، وعليه، في وزنها الاقتصادي-السياسي، لأن الاقتصاد، مثل الجغرافيا، يستحيل فهمهما إلا في سياق أثرهما أو توظيفهما السياسي، أي يستحيل فهمهما إلا من خلال الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي، أي من خلال أثرها على ميزان القوى في النهاية.

مسألة الفرق بين تقييم حجم الاقتصادات القومية بالدولار أو بالعملة المحلية

إن المشكلة الرئيسية في مقارنة حجم اقتصادات الدول المختلفة، من حيث حجم ناتجها المحلي الإجمالي GDP، هي أن الناتج الإجمالي للدول المختلفة يحسب بعملاتها المحلية، بالروبل واليوان والروبية والريال البرازيلي والروبيا الإندونيسية إلخ…  لأن الناتج المحلي الإجمالي هو قيمة السلع والخدمات التي ينتجها اقتصادٌ ما في عامٍ واحد، وقيمة تلك السلع والخدمات تُقاس بالعملة المحلية بالضرورة، لا بالدولار.  ومن ثم يجري تحويل قيمة الناتج المحلي الإجمالي بالعملة المحلية إلى الدولار الأمريكي، بحسب سعر الصرف السائد.

لكن المقارنة بالدولار الأمريكي تخفي الكثير.  مثلاً، لو كان لديك مئة يوان صيني، فإن قيمتها بالدولار الأمريكي اليوم هو 15.71 دولار أمريكي، أي أقل من 16 دولار.  لكنَ مئة يوان صيني في الصين تشتري  أكثر بكثير من حوالي 16 دولار أمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية.  ولهذا، تفقد المقارنة بالدولار الأمريكي أكثر فأكثر من معناها بمقدار ما يزيد الفارق بين القوة الشرائية لـ 16 دولار بين الصين والولايات المتحدة، أو بين الصين وأي دولة.

لهذا السبب، وضِع مقياسٌ أخرُ لحساب حجم الاقتصادات العالمية ومقارنتها، هو مقياس معادل القوة الشرائية Purchasing Power Parity (PPP)، الذي يقيس الاقتصادات بالقوة الشرائية للعملة المحلية، والذي نادراً ما يجري اعتماده في الإعلام، إنما يُعتمد من قِبلِ منظماتٍ دوليةٍ عدةٍ لإصدار مؤشراتها، ومن ذلك مثلاً، اعتماده من قبل البنك الدولي لحساب عتبة الفقر العالمية، واعتماده من قبل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة UNDP لوضع مؤشر التنمية البشرية Human Development Index، واعتماده من قِبل منظمة الصحة العالمية لمقارنة الإنفاق الصحي على الفرد بين الدول، واعتماده من قبل صندوق النقد الدولي ذاته لحساب مقدار الأجور والرواتب لموظفيه في الدول المختلفة، إلخ…  وفي النهاية، اعتماده في حوارات النخب الغربية ذاتها لمقارنة الحجم الحقيقي لاقتصادات الدول.

كيف يتم حساب الناتج المحلي الإجمالي بحسب معادل القوة الشرائية؟  يجري تقييم سعر سلة من السلع والخدمات، بالكميات والنوعيات ذاتها، في الدول المختلفة، وتقدير سعر الصرف الذي يحقق تساوي سعرها بين الدول.  مثلاً، إذا كان سعر الصرف الحالي هو 6.37 يوان صيني مقابل الدولار، فإن سعر الصرف الذي يجعل قيمة السلة ذاتها من السلع والخدمات متساوية في الصين والولايات المتحدة قد يكون 3 أو حتى 2 يوان مقابل الدولار، وهو سعر صرف غير معمول به طبعاً، ولكنه سعر الصرف الذي يحقق تساوي القوة الشرائية بين العملتين.

لوحة مختلفة لحجم اقتصادات الدول المختلفة عندما نستخدم معادل القوة الشرائية مقياساً

 

عندما تقارن الأحجام الاقتصادية للدول المختلفة، بحسب مقياس معادل القوة الشرائية، فإن صورة ميزان القوى الاقتصادي تختلف تماماً عما هي عليه عندما نقارن تلك الأحجام بناءً على أسعار الصرف السائدة.  هنا يقفز الاقتصاد الروسي إلى المرتبة السادسة دولياً، بناتج محلي إجمالي قيمته 4.32 ترليون دولار، بدلاً من 1.65 ترليون دولار والمرتبة رقم 11 دولياً عام 2021، لتجد بعدها مراهقين يدعون لإخراج روسيا من “مجموعة العشرين”!

هذا أولاً.  أما الأهم، فهو أن كل اللوحة الدولية تتغير، لا بالنسبة لروسيا فحسب، بل بين الغرب والقوى الصاعدة دولياً، الجنوبية والشرقية.  وسبقت الإشارة للفارق بين حجم الاقتصاد الصيني إذا حُسب بسعر الصرف السائد مقارنةً بمعادل القوة الشرائية (انظر “السباق الاقتصادي الأمريكي-الصيني ووطأة الدولار الأمريكي”، الميادين نت، 28/2/2022).  لكنّ الأمر لا يتعلق بالصين وروسيا وحدهما، بل بعالم يتغير، وميزان قوى يميل.

بحسب قيمة الناتج المحلي الإجمالي الاسمي عام 2021، المقوم بسعر الصرف السائد مع الدولار، فإن أكبر عشرة اقتصادات في العالم هي بالتتالي: الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، اليابان، ألمانيا، المملكة المتحدة، الهند، فرنسا، إيطاليا، كندا، ثم كوريا الجنوبية (لتأتي روسيا في المرتبة 11).  وكلها تدور في الفلك الغربي ما عدا الصين.

أما بحسب قيمة الناتج المحلي الإجمالي الفعلي عام 2021، المقوم بمعادل القوة الشرائية للعملة المحلية، فإن أكبر عشرة اقتصادات في العالم هي بالتتالي: الصين، الولايات المتحدة، الهند، اليابان، ألمانيا، روسيا، إندونيسيا، البرازيل، فرنسا، ثم المملكة المتحدة.

هذا يعني أن الصين تحل محل الولايات المتحدة في المرتبة الأولى؛ والهند، السادسة بحسب التقويم الأول، تقفز إلى المرتبة الثالثة محل اليابان؛ وروسيا تقفز من المرتبة 11 إلى المرتبة السادسة؛ وإندونيسيا تقفز من المرتبة 16 إلى المرتبة السابعة دولياً، محل فرنسا، التي تتقهقر إلى المرتبة التاسعة؛ والبرازيل تقفز من المرتبة 12 لتحل في المرتبة الثامنة؛ والمملكة المتحدة تتدهور منزلتها من المرتبة الخامسة إلى المرتبة العاشرة، بعد فرنسا (ولعل هذا يؤلمها أكثر من وقوعها بعد ألمانيا في الترتيب الاسمي).

بناءً على ما سبق، فإن المنتفخ عناداً وغطرسةً يصبح الدول الغربية، كما أن اللوحة الجديدة لميزان القوى الاقتصادي العالمي لا يتعلق بروسيا والصين وحدهما، بل بالهند وإندونيسا والبرازيل.  ولو أكملنا تحليل الجداول إلى أول عشرين أو خمسين اقتصادٍ بحسب المقياسين، فإن ذلك الاستنتاج سيتعزز أكثر فأكثر، مع تقدم دولٍ عربية وإسلامية وشرقية وجنوبية منازل عديدة إلى الأمام، وتراجع دول غربية، أو دائرة في فلك الغرب، مراتب عديدة إلى الخلف (للمزيد حول التحولات الجارية في الاقتصاد الدولي، انظر “اتجاهات النمو في الاقتصاد العالمي اليوم”، مجلة “طلقة تنوير”، العدد 54).

مقارنات إقليمية وعربية

يحتل الكيان الصهـ.ـيو ني مثلاً المرتبة 30 عالمياً من حيث حجم اقتصاده عام 2021 بالمقياس الاسمي (467 مليار دولار)، أما بمقياس معادل القوة الشرائية، فإنه يسقط إلى المرتبة 50، دوماً بالاستناد إلى إحصاءات صندوق النقد الدولي التي يسهل إيجادها على الإنترنت.  ولعل مثل هذا التقهقر الاقتصادي يعزز فكرة تراجع منزلة الكيان الصهـ.ـيو ني ووزنه إقليمياً.  وهذه لعناية من يصرون على المراهنة عليه.

على سبيل المقارنة، تبلغ قيمة الناتج الإجمالي المصري عام 2021، بسعر الصرف السائد، حوالي 400 مليار دولار، في المرتبة 36 عالمياً، أما بمقياس معادل القوة الشرائية، فإن حجم اقتصاد مصر يصبح 1.346 ترليون دولار، لتنتقل إلى المرتبة 22 عالمياً.

يبلغ حجم الاقتصاد السعودي، بالمقياس الاسمي، أكثر من 842 مليار دولار عام 2021، وتأتي منزلته في المرتبة 19 دولياً، أما بالمقياس الفعلي، فحجم الاقتصاد السعودي هو 1.7 ترليون، ومرتبته تصبح 17 دولياً.

الاقتصاد الإماراتي، ثالث أكبر اقتصاد عربي بعد السعودية ومصر بالمقياس الفعلي، وثاني أكبر اقتصاد عربي بالمقياس الاسمي، يحافظ على منزلته، وهي 34 دولياً، في الحالتين، بعد إضافة 230 مليار دولار لقيمة اقتصاده الاسمي.

كذلك تجدر الإشارة إلى أن الناتج الإجمالي الإيراني عام 2021 كان أكثر من ترليون دولار و81 مليار دولار، أما الفعلي فبلغ ترليون وحوالي 150 مليار دولار، رغم كل العقوبات المفروضة عليه، والتي كان يمكن من دونها أن يكون ناتجها إيران المحلي الإجمالي أكبر بكثير.  على الرغم من ذلك، فإنها جاءت في المرتبة 17 دولياً بحسب التقييم الاسمي، و24 بحسب التقييم الفعلي.

أما تركيا، فبلغ ناتجها الاسمي عام 2021 حوالي 800 مليار دولار، والفعلي 2.75 ترليون دولار، في المنزلة رقم 11 عالمياً عام 2021، وهو مؤشر على الصعود الإقليمي لتركيا لا بد من الانتباه لخطره جيداً، بالنظر لمشاريع التوسع العثمانية.  فهو في ميزان القوى الاقتصادي أكبر من الاقتصاد السعودي أو المصري، أكبر اقتصادين عربيين، ولكنه ليس بالتأكيد أكبر منهما مجتمعين، فضلاً عن تكتل اقتصادي عربي، فالقومية العربية مركب خلاص، لا شعارٌ جميل فحسب.

الفارق بين القيمة الاسمية والفعلية لحجم الاقتصادات مشكلة سياسية أساساً

 

رب قائلٍ إن الفارق بين تقييم حجم الاقتصادات بسعر الصرف السائد أو بمعدل القوة الشرائية هو شأنٌ يتعلق بقوة العملة المحلية إزاء الدولار فحسب.  فإذا كانت العملة المحلية مسعرةً بصورةٍ ضعيفةٍ إزاء الدولار، أي نحتاج إلى وحدات كثيرة منها للحصول على دولار واحد، أو undervalued بتعبير المالية الدولية، فإن الاقتصاد المحلي سيكون فعلياً أكبر مما هو اسمياً، وإذا كانت مسعرة بصورة مبالغٍ بها إزاء الدولار، أي نحتاج إلى وحدات أقل منها، مما يمكن أن تفرضه السوق الحرة، لشراء دولار أمريكي واحد، فإن الاقتصاد المحلي سيكون اسمياً أكبر مما هو فعلياً.

وربما يكون هذا صحيحاً في بعض الحالات المحددة، مثل حالة الصين، أو الدول المصدرِة عموماً، التي قد تضعف عملتها عمداً، لزيادة تنافسيتها في الأسواق الخارجية، بيد أنه ليس صحيحاً في معظم الحالات.  ويمكن أن يُطرح السؤال معكوساً:  هل قيمة الدولار الاسمية في العالم أكبر من قيمته الفعلية؟

تتبنى كثرةٌ من المحللين مثل هذا الرأي.  والسبب طبعاً هو الطلب العالي على الدولار كعملة احتياط لدى البنوك المركزية في العالم، وكعملة للإيداعات والقروض بالعملة الصعبة في البنوك خارج الولايات المتحدة، وكمقياس لتسعير السلع دولياً من القمح إلى النفط والغاز (انظر “السباق الاقتصادي الأمريكي-الصيني ووطأة الدولار الأمريكي”، الميادين نت، 28/2/2022).

ومثل هذه الهيمنة هي التي تهددها التحولات باتجاه المتاجرة بغير الدولار، مع العلم بأن الخطوات التي تزمع روسيا القيام بها، من تحول إلى المتاجرة بالعملات المحلية مع الهند والصين وإيران وتركيا، ومن المطالبة بسعر الغاز الروسي من أوروبا بالروبل، ستعزز الروبل، وتضعف اليورو أكثر من الدولار الأمريكي الذي سيتضرر فقط في حدود ما كان يجري التبادل بالدولار، بين روسيا وشركائها التجاريين، قبل بدء التبادل بالعملات المحلية.  وهنا تشكل إمكانية تحول الصين لشراء النفط السعودي باليوان خطراً بصورة أكبر على الدولار.

يعكس الفارق بين سعر الصرف السائد ومعادل القوة الشرائية، إذاً، عوامل بنيوية في الاقتصاد والمالية الدولية، منها هيمنة الدولار الأمريكي، ولذلك فإننا لا نتحدث عن مسألة محض إحصائية هنا للمتخصصين.  ولنا أن نتخيل كيف ستقل قيمة الدولار، لو قل الطلب العالمي عليه، ولو نسبياً، مما يزيد من قيمة العملات الأخرى إزاءه، ويزيد من قيمة الناتج المحلي الإجمالي (الاسمي، بحسب سعر الصرف) للدول التي تستعمل تلك العملات مقابل حجم الناتج الإجمالي الأمريكي.  ويصح مثل هذا الكلام على اليورو، وإن بدرجة أقل، ومن ثم على الجنيه الاسترليني والين الياباني والفرنك السويسري وغيره من العملات الرئيسية (ما عدا اليوان).

في المقابل،  لو نظرنا إلى التقارير الغربية التي تتحدث عن تقلص الاقتصاد الروسي في العام الجاري بنسبة 10% (انظر مثلاً موقع بلومبرغ في 25/3/2022)، بسبب أثر العقوبات الغربية، فإن من الواضح أن مثل تلك التقديرات، تستند في جانبٍ منها على الأقل، على توقع انهيار الروبل الروسي، وهو ما سيؤدي إلى تقلص الناتج الروسي الإجمالي اسمياً أكثر بكثير من تقلصه فعلياً، ولا نقول إن روسيا لن تتضرر.  لكن صانع القرار الروسي تعامل مع جذر المشكلة جذرياً: العمل على إسقاط هيمنة الدولار الأمريكي، أو تحييد أثره على الاقتصاد الروسي على الأقل.

عوامل بنيوية أخرى ذات بعد سياسي  

تؤثر عواملُ بنيويةٌ أخرى على الفارق بين القيمة الاسمية والقيمة الفعلية للنواتج المحلية الإجمالية لدول العالم، أو على الفارق بين سعر الصرف السائد وسعر الصرف بحسب القوة الشرائية للنقود عبر البلدان، وعلى رأس تلك العوامل مدى وجود سلع وخدمات محلية غير قابلة للاتجار بها non-tradables عبر الحدود، أو حتى عبر محافظات البلد الواحد في بعض الحالات.  ومن ذلك، على سبيل المثال، بعض أنواع الخدمات الشخصية (حلاقة الشعر مثلاً)، أو الخدمات الحكومية (الإدارية وغيرها)، أو أسعار العقارات وإيجارها (التي تختلف بين منطقة وأخرى، لا بين دولة وأخرى فحسب، حتى لعقارات بذات المواصفات والمساحة).

إن السبب الرئيسي لهذه الفروق هو أن مثل هذه الأشياء لا يمكن تعليبها و”شحنها” وتصديرها واستيرادها، وبالتالي فإن أثر عوامل العرض والطلب المحلية فيها يظل أقوى من العوامل الإقليمية أو الدولية.  ولذلك، يمكن تخيل سعرٍ واحدٍ لبرميل النفط أو طن القمح عبر الحدود، مع أخذ كلفة الشحن والتعرفة الجمركية بعين الاعتبار، ويصعب تخيل سعرٍ واحدٍ لما يلتصق جغرافياً بمناطق محددة، فلا يمكن استيراده وتصديره.

يمكن نظرياً تخفيف فروق الأسعار للمواد غير القابلة للاتجار بها عبر المساحات إلى الحد الأدنى من خلال: 1) السماح بحرية تنقل العمال والموظفين تماماً بين الدول، 2) خصخصة القطاع العام، ومنه خدماته الإدارية، تماماً، 3) إلغاء الترسيم الإداري والمناطقي وكل قوانينه على مستوى وطني وجعله عالمياً، لتنشأ مدنٌ وضواحٍ وأريافٌ على مستوى الكوكب.  وكل ما سبق هو مشروع العولمة في المحصلة النهائية.  ولكن هذا بحد ذاته هو أحد جوانب الصراع بين القوى الصاعدة والهيمنة الغربية: عولمة تحكمها الشركات الكبرى، أم نظام عالمي متعدد الأقطاب يتيح لكل أمة أن تأخذ مكانها فيه؟

إن وجود العمالة الآسيوية، والعربية إلى حدٍ أقل، في الإمارات والسعودية مثلاً، يجعل كلفة الخدمات الشخصية فيهما أدنى من المعدل الغربي، وبالتالي يجعل قيمة ناتجهما المحلي الإجمالي الاسمي أدنى من قيمته الفعلية، عندما نسعر تلك الخدمات بمعادل القوة الشرائية لا بسعر الصرف السائد.

كذلك تقدم الدول التي يوجد فيها قطاع عام قوي، مثل الصين وروسيا، الكثير من خدماتها الحكومية بسعر التكلفة، أو أقل، فيما سترتفع قيمة تلك الخدمات لو تمت خصخصة القطاع العام وبيع خدماته بسعر السوق، ولذلك فإن الدول التي تعتمد القطاع العام أكثر من غيرها سيكون قيمة ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي أقل من الفعلي، لو جرى تسعير تلك الخدمات الحكومية بالدولار بالسعر الغربي مثلاً.

المشكلة هنا إذاً، أيضاً، هي درجة اتباع الاقتصاد النموذج الغربي، لا بل درجة رسملته، واندماجه في عجلة الاقتصاد العالمي، أي درجة خضوعه لقوانين حركة الاقتصاد الرأسمالي المعولم.  ولن ندخل هنا في مشكلة تقييم الإنتاج غير الموجه للسوق، الزراعي أو الحرفي، الذي ما برح شائعاً في كثيرٍ من الأرياف وضواحي المدن حول العالم، والذي يجعل الاقتصاد الاسمي يبدو أصغر مما هو فعلياً، لأن قيمة الإنتاج المنزلي، أو الإنتاج الموجه للاكتفاء الذاتي أو المجتمعي المحلي، لا تحسب في الناتج المحلي الإجمالي أصلاً.

روسيا ليست دولة متخلفة

 

لقد أظهرت الأزمة الأوكرانية مدى اعتماد العالم على الصادرات الروسية من الطاقة والغذاء والمعادن.  لذلك فإن الحديث عن محدودية أثر روسيا في الاقتصاد العالمي يكذبه ارتفاع الأسعار عبر العالم، لا سيما في الاتحاد الأوروبي، الناتج عن فرض العقوبات على روسيا، وهو ما يبرز الفارق أيضاً بين الاقتصاد الحقيقي، القائم على الإنتاج، والاقتصاد المالي، القائم على تقطيع الكوبونات، وتداول الورق، وعلى رأسه الدولار.

وفي الواقع إن ما جاء أعلاه، عن انتقال روسيا إلى المكانة السادسة عالمياً، بدلاً من المكانة 11، لو قسنا ناتجها الإجمالي بمعادل القوة الشرائية بدلاً من سعر الصرف السائد بين الروبل والدولار، لا يعبر عن الحقيقة كاملة، لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار أن روسيا لا تؤخذ وحدها، بل مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي تأسس عام 2015، والذي يضم، إلى جانب روسيا، روسيا البيضاء وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزستان، ومن المتوقع أن تنضم إليه أوزبكستان في العام الجاري أو الذي يليه.

فلو حسبنا الناتج الإجمالي للاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فإن سيحل عالمياً في المرتبة الخامسة، بدلاً من ألمانيا، بناتج محلي إجمالي مقداره 5.1 ترليون دولار، بحسب معادل القوة الشرائية، بناءً على إحصاءات صندوق النقد الدولي ذاتها.

أخيراً، وليس آخراً، من البديهي أن الدول لا تقارن من حيث حجم اقتصاداتها فحسب، بل من حيث الصناعة المتقدمة والتكنولوجيا فيها، ومدى التخصص وحسن الإدارة، وغيرها من المقاييس، ولهذا فإن الاقتصاد الصهـ.ـيو ني يبقى خطراً داهماً، من خلال التطبيع، على الرغم من تقهقر حجمه النسبي دولياً.

كذلك نشير إلى أن الصناعة العسكرية والفضائية الروسية متقدمة جداً، وتنافِس دولياً.  وهي تصدّر سنوياً ما يعادل مليارات الدولارات من الأسلحة المتقدمة والمفاعلات النووية والآلات.  كما أن الصناعة تشكل 30% من الناتج المحلي الإجمالي الروسي، وثمة نهضة في مجال الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات وقطاع الاتصالات في روسيا.  على سبيل المثال، ارتفعت صادرات البرمجيات 20% عام 2021 عن العام الذي سبقه، وكانت قد بلغت 8.6 مليار دولار عام 2020.

https://www.almayadeen.net/articles/الصراع-في-عالمنا-المعاصر:-بين-من-ولماذا-يستعر

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=834669444601810&id=100041762855804

الموضوعات المرتبطة

إشكالية الموقف من تركيا عقائدياً وسياسياً

  إبراهيم علوش  - صباح الخير/ البناء    شكلت شبه هضبة الأناضول تاريخياً كتلةً جغرافيةً-سياسيةً شديدةَ الوطأة على الميدان الشامي، وعبره، على الوطن العربي كله.  فمنذ الحثيين، حتى الرومان [...]

خطوط الصراع في الانتخابات النصفية الأمريكية

  إبراهيم علوش  - الميادين نت تجري في الولايات المتحدة الأمريكية في 8 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل انتخاباتٍ نصفية حاسمة يُقرَر فيها مصير كامل مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعداً من أصل 100 في [...]

هل يفرض الغرب سقفاً سعرياً على النفط الروسي؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت الخبر الاقتصادي الدولي الأهم في الأيام الفائتة كان قرار الاتحاد الأوروبي، المدعوم أمريكياً، في الثاني من أيلول / سبتمبر الفائت، فرض سقف أعلى على سعر النفط [...]

نهج المــقــاومة والعمل القومي: هل يقوم أحدهما مقام الآخر؟

  إبراهيم علوش – المستقبل العربي* شخصت الأبصار إلى غزة ثم إلى نابلس في شهر آب / أغسطس الفائت، ولطالما احتضنت عيون الشرفاء كلَ حالةِ مـ.ـقـ.ـاومةٍ متميزة، ولو كانت تحدياً للهيمنة الغربية، أو [...]

تايوان والصراع على جبهة أشباه الموصلات

  إبراهيم علوش – الميادين نت ربما تبدو الجبهة الأوكرانية أكثر صخباً، وتداعياتها الاقتصادية على أوروبا والعالم أبلغ أثراً، وتناولها إعلامياً أشد إثارةً، لكنّ الجبهة الأكثر ضراوةً، هي، [...]
2022 الصوت العربي الحر.