مشروع كيري في المبدأ والتطبيق

February 12th 2014 | كتبها

 


 

تثبت تجربة العقود الماضية، منذ دخلت الأنظمة العربية وقيادة منظمة التحرير حلبة الحلول التسووية في السبعينيات، أن كل تنازل قدموه على مذبح “الحل السياسي” للصراع العربي-الصهيوني كان يقابل بسقف أعلى وتشدد أكبر من لدن العدو الصهيوني.  وقد أوصلتنا هذه المسيرة المزرية من “الحل الشامل” إلى الحلول المنفردة” ثم إلى التطبيع بدون حل، وإلى التنسيق الأمني والسعي لإدخال العدو الصهيوني إلى نسيج المنطقة بمعاهدات أو بدون معاهدات، ومن ثم إلى استهتار العدو الصهيوني حتى بما نصت عليه تلك  المعاهدات المعيبة وصولاً لمطالبة السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية بالاعتراف بـ”يهودية الدولة”، وبالقبول بتهويد الغور، وضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية والقدس، ورمي ملف اللاجئين في سلة المهملات، كما يتضح مما يرشح عن جولات كيري المكوكية.

 

أي أن مسيرة التسوية المزعومة وصلت لنقطة بات من المطلوب فيها التضحية بأصدقاء الأمس، وبحل مشاكل العدو الصهيوني على حسابهم.  لكن ما يطرح لا يتعلق بالنظام الأردني والسلطة الفلسطينية فحسب، بل يمس القضية الفلسطينية نفسها، ويمس الاستقرار الأهلي في الأردن، ويؤسس لتوطين سياسي يثير النعرات والفتن في إطار كانتونات تشكل معبراً وممراً للنفوذ الصهيوني في المشرق العربي برمته.  فالحل السياسي المقترح يعني تحديداً: 1) التسليم النهائي بحق العدو الصهيوني بكامل فلسطين التاريخية أي شطب القضية الفلسطينية نهائياً، 2) تحويل الفلسطينيين فيها إلى مقيمين أجانب، 3) التمهيد لطردهم من الأرض المحتلة عام 48، 4) التأسيس لفتنة أهلية أردنية-فلسطينية أسوة بما يجري في دول الجوار.

 

وليس هناك من تطبيع أو “سلام” مشرف مع العدو الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الذي لا يستطيع أن يستمر في بلادنا على المدى الطويل إلا بتفكيكها وضرب الهوية الجامعة للأمة.   لكن جولات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، التي بلغت إحدى عشرة جولة حتى الآن، تشكل حضيضاً جديداً في مسار التفاوض العربي-الصهيوني عامة، والسلطوي-الصهيوني خاصة.  وقد انطلقت مبادرة كيري لاستئناف المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني في تموز 2013 بعد توقف المفاوضات العلنية والدورية بينهما في العام 2010، وقد ارتبط توقيت إعادة تفعيل ملف التفاوض المباشر السلطوي-الصهيوني قبيل اقل من ستة اشهر بالحاجة الأمريكية لتسكين الملف الفلسطيني قبيل العدوان الذي كان يتم الإعداد له على سورية، أسوة بما جرى قبيل العدوان على العراق عام 2003 (خريطة الطريق) وليبيا عام 2011 (استحقاق أيلول).

 

إجهاض العدوان الأمريكي المباشر على سورية عبر المبادرة الروسية لم يؤدي إلى وقف جولات كيري أو إنهاء مبادرته، بل دفع الكيان الصهيوني للتعامل معها باستخفاف أكبر، ما دامت الحاجة المباشرة لها لم تعد قائمة، سوى أن الكيان الصهيوني يحتاج لاستمرار التفاوض كعملية إلى ما لا نهاية يغطي بها مشروعه لـ: 1) تهويد القدس والاقصى، 2) تهويد غور الأردن، 3) توسعة مستعمرات الضفة الغربية.  أما الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي فلا يزالان بحاجة لإنجاز سياسي على الصعيد الفلسطيني يغطيان به تدخلاتهما العدوانية في الوطن العربي وفي سورية خاصة على هيئة مشروع “سلام”، لا “ديموقراطية” و”حقوق إنسان” فحسب.

 

وككل تسوية، لا بد أن تعكس التسوية التي يقترحها كيري ميزان القوى على الأرض في وقت تعيش فيه القضية الفلسطينية إحدى أسوأ مراحلها في ظل تورط حماس في المشروع الإخواني في الإقليم، وتخلي السلطة الفلسطينية المسبق عن أية أوراق يمكن أن تلعبها على طاولة التفاوض، وانهماك النظام الرسمي العربي بمحاربة سورية بدلاً من محاربة العدو الصهيوني، وانحراف بوصلة “الربيع العربي” باتجاه التركيز أجندة “الإصلاح الديموقراطي” على النمط الأمريكي بدلاً من أولوية التناقض مع العدو الصهيوني والهيمنة الإمبريالية.

 

فليس غريباً بعدها أن يكون “اتفاق الإطار” الذي يريد أن يفرضه كيري لاستمرار التفاوض سنة أخرى مائلاً لمصلحة العدو الصهيوني في القضايا الأساسية مثل القدس والغور والمستعمرات الصهيونية في الضفة الغربية… والأهم، فيما يتعلق بعودة اللاجئين من البيوت والأراضي التي طردوا منها في العام 48 أو 67.

 

لهذا يأتي “اتفاق الإطار” الذي يقترحه كيري أدنى سقفاً من اتفاقية أوسلو نفسها، بمقدار ما يمثل تتمة طبيعية لها ولمعاهدة وادي عربة واتفاقية كامب ديفيد و”مبادرة السلام العربية”.  وفي الآن عينه يقوم العدو الصهيوني بتصعيد تهويد النقب وبطرح المشاريع لتهجير 300 ألف فلسطيني من الأراضي المحتلة في العام 48. 

 

فما يجري يعكس حالة ضعف السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية المستسلمة والمطبعة التي مهدت باستسلامها وتطبيعها الأساس لأفولها اللاحق.  فمن رضي بتوطين اللاجئين في معاهدة وادي عربة بات يشعر الآن أن المطروح ليس سلاماً، بل تصدير أزمة اللاجئين للأردن، والتأسيس لنزاع أهلي فيه.  ومن احتضن إطلاق المفاوضات المباشرة بات الآن يتوجس خيفة منها.  ومن ظن أن التفاوض العبثي هو طريق “الدولة”، ونحن نرى أن شعار الدولة سخيف لأن أي شعب تحت الاحتلال يفترض أن يكون شعاره التحرير، لا الدولة، بات يدرك تدريجياً أن المطروح هو كيان وظيفي بلا سيادة ولا حدود وحول ولا طول في خدمة العدو الصهيوني إقليمياً.  فالحمدلله على السلامة يا جماعة…

 

المطروح هو ثمرة طبيعية للاعتراف بالعدو الصهيوني وللتعاهد والتطبيع معه، وهو يعني فعلياً تصفية القضية الفلسطينية وتدمير الأردن أسوة بما يجري في بعض الدول المجاورة له، وعليه نكرر: نحن لا نحدثكم بلغة المبادئ، بل نقول لكم أنكم إن أردتم أن تحموا أنفسكم فعليكم أن تبطلوا المعاهدات وتغلقوا السفارات وتوقفوا التطبيع مع العدو الصهيوني،  ونكرر: لا نطلب منكم أن تقاتلوا، بل لا تقفوا في طريق من يريد أن يقاتل، والحديث موجه للسلطتين الأردنية والفلسطينية والأنظمة العربية بالتأكيد.

 

إبراهيم علوش

البناء 12/2/2014

 

للمشاركة على الفيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=820379391312631&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1&stream_ref=10

 

الموضوعات المرتبطة

حول الموقف المقاوِم المبدئي من حماس بمناسبة تظاهرات بدنا نعيش

ثار جدال في الصف الوطني واليساري حول قمع حماس لتظاهرات "بدنا نعيش" تحول فيها خط تأييد حق التظاهر غير المقيد إلى دفاع ضمني أو علني عن سلطة التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني، ورفع فيها [...]

الحراك الشعبي ليس دوماً على حق

خلال معظم القرن العشرين، شكل الحراك الشعبي والعمل السري وحرب العصابات وحرب الشعب سلاح القوى المناهضة للإمبريالية والأنظمة والحكام التابعين لها، أو إحدى أدوات حركات التحرر القومي ضد [...]

دين سورية الخارجي

عند نهاية عام 2010، لم يكن الدين الخارجي للجمهورية العربية السورية يبلغ أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يظهر الرسم البياني المرافق، وهو رقم شديد التدني بالمقاييس العالمية. والمصدر هو [...]

المتباكون على الخلافة العثمانية

يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يتباكى على قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ في ظل الاحتلال العثماني، بذريعة أن ما تلاه كان تجزئة واحتلالاً وتبعية للغرب، والمؤسف أن بعض هذا الأصوات محسوبة [...]

الحرب الاقتصادية على سورية تتصاعد… محكمة فيدرالية في واشنطن تحكم بتعويض أمس مقداره 302 مليون دولار على الدولة السورية بعد إدانتها بمقتل المراسلة الحربية الأمريكية ماري كولفن

ويبدو أن العقوبات المالية بذرائع "قانونية" ستكون نهجاً مع سورية من الآن فصاعداً، كما كانت مع العراق وليبيا من قبل، في سياق تشديد الحرب الاقتصادية على سورية بعد فشل الصيغ الأخرى من العدوان [...]
2019 الصوت العربي الحر.