قرار اغتيال طارق عزيز والقيادات الوطنية العراقية

October 27th 2010 | كتبها

 

د. إبراهيم علوش

 

السبيل 28/10/2010

 

لو رضوا على أنفسهم أن يشهدوا ضد الرئيس الشهيد صدام حسين أو أن يرتدّوا، لو كانوا كغيرهم إمعاتٍ تحت جزم الاحتلال، لو باعوا الوطن بالمناصب والمكاسب كبعض الثوار السابقين، لارتدوا الياقات الأنيقة وربطات العنق لا حبال المشانق.  لكن أحكام الإعدام صدرت فيهم، ونفذت في بعضهم، وبعضهم ما زال ينتظر، وما بدلوا تبديلاً. 

 

وهنالك من أوهم نفسه وغيره أن القيادات العراقية الأسيرة ستنهار بالجملة بعد اغتيال الرئيس، إذ زعموا أن صداماً كان يرهبهم ويرغِّبهم فحسب.  لكنهم أثبتوا أنهم أصحاب قناعات مبدئية: طه ياسين رمضان، برزان التكريتي، عواد البندر، علي حسن المجيد، وغيرهم ممن أعدموا من القيادات العراقية، فلم يتزحزحوا عن ثوابتهم مقدار ذرة، وارتفعت أحذيتهم على أعواد المشانق فوق رؤوس القتلة ممن تسللوا للعراق على ظهر دبابات الاحتلال.  ولا ننسى محمد حمزة الزبيدي، رئيس الوزراء في النظام الوطني في العراق في أوائل التسعينات – وهو شيعي بالمناسبة – وقد استشهد في السجن تحت التعذيب، حيث عرضت قناة “العربية” في 1/5/2006 لقطات تظهر التمثيل بجثته.

 

وقد صدرت أيضاً أحكامٌ بإعدام سلطان هاشم وسبعاوي إبراهيم وعزيز صالح النومان ومزبان خضر هادي، وكلهم من القيادات المتقدمة في العراق الوطني.  كذلك حُكم على عبد الغني عبد الغفور بالإعدام بتهمة “تصفية الأحزاب الدينية”، والمقصود حزب الدعوة الذي ينتمي إليه نوري المالكي طبعاً وقوات بدر.  ويوجد على موقع يوتيوب، لمن يرغب، فيلم قصير يظهر كيف صال عبد الغني عبد الغفور وجال كالأسد الهصور في قاعة المحكمة الصورية عند صدور الحكم بإعدامه. 

 

والآن يصدر حكم إعدام بالتهمة نفسها، وهي “تصفية الأحزاب الدينية”، ضد وزير الخارجية  في النظام الوطني طارق عزيز، وضد وزير الداخلية سعدون شاكر، وسكرتير الرئيس صدام حسين، عبد الحمود.   

 

فماذا يجري هنا؟  وكيف تمر أحكام إعدام بالجملة كهذه مرور الكرام؟  وكيف نتغاضى عن محاكمات صورية تفتقد لأبسط قواعد العدالة، لتجعل الأحكام الصادرة عنها عبارة عن عمليات اغتيال علنية تؤكد بصورة لا تقبل الجدل تسريبات موقع ويكيليكس حول جرائم الاحتلال المزدوج وأعوانه في العراق؟!  

 

وتقول وسائل الإعلام أن طارق عزيز طلب في 2008، بعد خمس سنوات من اعتقاله، توكيل محامين له بسبب عدم قدرة محاميه حضور الجلسات لأسباب أمنية؟!  فهل يعقل هذا؟! وهل من العدل في شيء أن يقبع رجل في الرابعة والسبعين من عمره في السجن طوال سبع سنوات، حتى لحظة كتابة هذه السطور، في ظروف لا إنسانية يحرم فيها ليس فقط من حقوقه القانونية، بل حتى من القدر الأدنى من الرعاية الصحية، وهو يكابد جلطة دماغية وأمراضاً مزمنة؟! ألا يشعر “الديموقراطيون” والليبراليون العرب بحجم نفاقهم وعارهم وهم يشاهدون مثل هذه الجرائم ضد الإنسانية على الملاً، فيما يشبعوننا خطباً ومقالات وتعليقات صبح مساء عن حقوق الإنسان والحيوان والنبات، وعن حقوق الأقليات واللواط؟! 

 

كانت تلك القيادات الوطنية تستطيع أن تفتدي نفسها بسهولة لو لم يكن شرفها الوطني وضميرها أغلى عليها من حياتها، ولو لم يكن العراقُ حياتَها، ولو لم تكن قد تدرجت في مواقعها عبر أبجديات الوفاء.  لكن ما يجري مع تلك القيادات العراقية الشهيدة ليس شأناً شخصياً بأي حالٍ من الأحوال، بل يمثل تتمةً لانتهاك العراق ولاستباحة الأمن القومي العربي من الشرق والغرب.  وعندما يسلم احتلال تلك القيادات الوطنية للنظام العميل، فإن ذلك لا يمكن أن يكون محاكمة أو عدالة، فما هو إلا قرارٌ بالاغتيال والتصفية، وجزءٌ من صفقة لاقتسام النفوذ في العراق. 

 

وإذ يوظف النظام العميل “حكم القانون”، الذي يشكله على هواه المريض، ليصفي حساباته مع قيادات النظام الوطني، عشية تسرب وثائق ويكيليكس عن دوره في المجازر الطائفية في العراق، فإنه يفعل ذلك بطريقة تصب الزيت على النار وتدفع دفعاً باتجاه الحرب الأهلية والفتن في الشارع العراقي والعربي، خاصة عندما تكون ذريعة اغتيال تلك القيادات: تصفية الأحزاب الدينية!  وهو ما لا يقبله أي حريص على وحدة العراق أو أي نصير للمقاومة العربية.

 

لست من دعاة التوجه للقانون الدولي والشرعية الدولية، ولذلك أوجه الحديث لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين بالتحديد:  وحدكم تملكون إمكانية التدخل لوقف هذه المهزلة.

 

alloush100@yahoo.com

 

 

 

  

الموضوعات المرتبطة

حول الموقف المقاوِم المبدئي من حماس بمناسبة تظاهرات بدنا نعيش

ثار جدال في الصف الوطني واليساري حول قمع حماس لتظاهرات "بدنا نعيش" تحول فيها خط تأييد حق التظاهر غير المقيد إلى دفاع ضمني أو علني عن سلطة التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني، ورفع فيها [...]

الحراك الشعبي ليس دوماً على حق

خلال معظم القرن العشرين، شكل الحراك الشعبي والعمل السري وحرب العصابات وحرب الشعب سلاح القوى المناهضة للإمبريالية والأنظمة والحكام التابعين لها، أو إحدى أدوات حركات التحرر القومي ضد [...]

دين سورية الخارجي

عند نهاية عام 2010، لم يكن الدين الخارجي للجمهورية العربية السورية يبلغ أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يظهر الرسم البياني المرافق، وهو رقم شديد التدني بالمقاييس العالمية. والمصدر هو [...]

المتباكون على الخلافة العثمانية

يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يتباكى على قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ في ظل الاحتلال العثماني، بذريعة أن ما تلاه كان تجزئة واحتلالاً وتبعية للغرب، والمؤسف أن بعض هذا الأصوات محسوبة [...]

الحرب الاقتصادية على سورية تتصاعد… محكمة فيدرالية في واشنطن تحكم بتعويض أمس مقداره 302 مليون دولار على الدولة السورية بعد إدانتها بمقتل المراسلة الحربية الأمريكية ماري كولفن

ويبدو أن العقوبات المالية بذرائع "قانونية" ستكون نهجاً مع سورية من الآن فصاعداً، كما كانت مع العراق وليبيا من قبل، في سياق تشديد الحرب الاقتصادية على سورية بعد فشل الصيغ الأخرى من العدوان [...]
2019 الصوت العربي الحر.