في الجغرافيا السياسية لمشروع تطويق روسيا وتفكيكها

July 7th 2022 | كتبها

 

إبراهيم علوش – الميادين نت 15/3/2022

على الرغم من أن أدوات الحرب على روسيا تبقى في الأعم الأغلب، حتى الآن، ذات طبيعة اقتصادية، عقوباتٍ وحصاراً، وعلى الرغم من سعي الناتو إلى مزاوجة حربه الاقتصادية على روسيا بحرب استنزافٍ طويلة الأمد، تفصح عنها الشحنات العسكرية الغربية لأوكرانيا المتكونة من عشرات آلاف المقذوفات المضادة للدبابات والطائرات، إلا إن هدف الحرب على روسيا، مهما كانت أدواتها، يبقى جغرافياً-سياسياً في المحصلة.

لقد كُتب وقيل الكثير عن قضم الناتو لدول أوروبا الشرقية، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى إكمال الطوق حول روسيا من الغرب، بضم أوكرانيا، بما يسمح بوضع صواريخ متوسطة المدى على بعد بضع مئات الكيلومترات فحسب عن موسكو.

الموجات الثلاث لتمدد الناتو شرقاً

جاء تمدُد الناتو شرقاً، بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي، على شكل موجات، كان أولها عام 1999، فيما روسيا في حالة ضعف شديد، وقد ضمَ فيها الناتو جمهورية التشيك وهنغاريا (المجر) وبولندا.  ولا ننسى ضم ألمانيا الشرقية عام 1990 للناتو، بعد إعادة توحيد ألمانيا في ذلك العام طبعاً، فيما الاتحاد السوفياتي في طور التفكك.

وجاءت الموجة الثانية عام 2004، وقد ضم فيها الناتو دولاً مثل بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، فيما كانت روسيا تتعافى من الوهن الشديد، وهي غير مهيأة للمواجهة بعد.

وجاءت الموجة الثالثة بالتدريج، على شكل “وجبات سريعة”، ضم فيها الناتو دولاً بعيدة عن روسيا نوعاً ما، مثل ألبانيا وكرواتيا (التي كانت جزءاً من الاتحاد اليوغوسلافي) عام 2009، وجمهورية الجبل الأسود (التي كانت جزءاً من صربيا)  عام 2017، ومقدونيا الشمالية (التي كانت جزءاً من يوغوسلافيا أيضاً) عام 2020.

انحصرت الموجة الثالثة لتمدد الناتو في منطقة البلقان، أي في أوروبا الجنوبية، في البلدان المطلة على البحر الأدرياتيكي المشرف على البحر الأبيض المتوسط من الغرب، والمحيطة بصربيا، قلب الاتحاد اليوغوسلافي السابق، من الشرق، الذي بات مطوقاً بهذه الخطوة من قبل الناتو، لا سيما أن رومانيا وبلغاريا وهنغاريا كانت قد ألحقت بالناتو من قبلُ، كما سبقت الإشارة.  أما البوسنة وكوسوفو (الحلقة الأخيرة لإكمال الطوق حول صربيا من الغرب)، وجورجيا، وأوكرانيا، فأعضاء مرشحون في الناتو.

خطوط متوازية بين جورجيا وأوكرانيا

شكل سعي الناتو لضم جورجيا إليه، بناءً على توصية مباشرة من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الثاني، في مؤتمر الناتو في بوخارست في نيسان/إبريل عام 2008، وهو الأمر الذي عارضته ألمانيا وفرنسا بقوة آنذاك، الخلفية المباشرة لانفجار الوضع في جورجيا عسكرياً في صيف عام 2008.  وكانت جورجيا قد عاشت تجربة “ثورة وردية” Rose Revolution عام 2003 دفعت بأقسام من الرأي العام الجورجي إلى حضن الغرب، كما تفعل “الثورات” الملونة دوماً.

مُنحت جورجيا صفة “عضو طامح”، أو مرشح، من قبل حلف الناتو رسمياً في عام 2011، وما يزال وجود قوات روسية على “أراضيها”، أي في جمهوريتي أوستيا الجنوبية وأبخازيا، العائق الرئيسي أمام ضمها للناتو رسمياً.

البديل الآخر بالنسبة للناتو طبعاً هو الاعتراف باستقلال الجمهوريتين، وفي ذلك معنىً كبير يتصل بما يجري في أوكرانيا اليوم، وسعيها للانضمام للناتو، بعد “الثورة البرتقالية” فيها عام 2004، وتتمتها عام 2013، كما يتصل بأهمية دونيتسك ولوغانسك الأوكرانيتين، ومعنى وجود قوات روسية فيهما، كعامل إعاقة لضم أوكرانيا للناتو.

وكان ديميتري مدفيديف، عندما كان رئيساً لروسيا، قد خطب في الجنود الروس قرب الحدود الجورجية، بحسب رويترز في 21/11/2011، قائلاً إن العملية العسكرية الروسية في جورجيا عام 2008 هي التي منعت توسيع الناتو ضمن الحيز السوفياتي.

ما برح الناتو يطور علاقته مع جورجيا بكل تأكيد، وما فتئت روسيا تراقب وتحذِّر.  وفي 26/9/2019 صرح وزير الخارجية الروسي لافروف لوسائل الإعلام أن ضم جورجيا للناتو، تحت بند الدفاع المشترك عن المناطق التي تسيطر عليها تبليسي (يعني حتى من دون أوستيا الجنوبية وأبخازيا)، سوف يؤدي إلى “تقويض العلاقات” مع الناتو ومن ينضم إليه.  والرسالة الروسية واضحة.

ما يزال هذا الملف مفتوحاً بالمناسبة، لا بل يبدو أن الناتو يسعى إلى تفجيره، من خلال تسريع خطوات ضم جورجيا إلى ما يسمى “خطة عمل عضوية الناتو” Membership Action Plan.  كما أن وزير الدفاع الجورجي صرح في 17/2/2022، عقب اللقاء مع أمين عام حلف الناتو جانس ستولنبرغ، أن الانضمام للناتو بات الطريقة الوحيدة للحفاظ على “السلامة الإقليمية لجورجيا”.  وليس من المستغرب على الغرب أن يزج بجورجيا في أتون النار (إذا لم تتزن)، ليتخلى عنها بعد ذلك، كالعادة، من أجل تخفيف الضغط عن أوكرانيا وتشتيت روسيا.

الناتو يهدد قلب روسيا الأوروبي

قدّمت أوكرانيا، من جهتها، طلباً رسمياً للانتساب للناتو عام 2008.  وقد طويَ الطلب ووضِع طي الأدراج في عام 2010 بعد انتخاب رئيسٍ موالٍ لروسيا هو فيكتور يانوكوفيتش.  هنا دخل الناتو وفعّل “الموسم الثاني” من “الثورة البرتقالية” في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2013.   وكان اسم تلك التتمة “انتفاضة ميدان الاستقلال”، الساحة الرئيسية في كييف.  وكان يانوكوفيتش ضعيفاً، فهرب تاركاً بلاده فريسةً للطامعين.  وهكذا بدأت الأزمة الأوكرانية فعلياً، إذ جاء حكمٌ موالٍ للناتو في أوكرانيا، وكان الانضمام لحلف الناتو أحد أهداف “الثورة” المزعومة، كما هو دأب مثل تلك “الثورات” دوماً!

لم يكن من الممكن لروسيا أن تترك القرم والمناطق الروسية في أوكرانيا منطلقاً لإكمال الطوق الناتوي من حول عنق روسيا، فضمت روسيا شبه جزيرة القرم (التي يتكون 65.3% ، أي حوالي الثلثين، من سكانها من الروس)، وانفجرت مشكلة الدونباس بدعم روسي واضح، على غرار ما حدث في أوستيا الجنوبية وأبخازيا تماماً في جورجيا عام 2008.

على الرغم من ذلك، لم تدخل روسيا أوكرانيا حتى تسارعت خطوات ضم أوكرانيا إلى حلف الناتو.

وفي 14 حزيران/ يونيو عام 2021، في مؤتمر حلف الناتو في بروكسل، صدر بيان رسمي يؤكد على ضم أوكرانيا إلى “خطة عمل عضوية الناتو” Membership Action Plan.  وفي الـ28 من الشهر ذاته بدأت مناورات عسكرية مشتركة بين الناتو والنظام الأوكراني في البحر الأسود.  وفي 16/12/2021، رحب أمين عام حلف الناتو ينس ستولتنبرغ بالرئيس الأوكراني، الممثل والراقص الخلاعي فولودمير زيلينسكي، في مقر حلف الناتو في بروكسل، حيث عقدا مؤتمراً صحفياً مشتركاً هددا فيه روسيا بصورة تعوزها اللياقة الدبلوماسية.

وفي 11/1/2022، نقلت وسائل الإعلام عن مجموعة نواب جمهوريين في الكونغرس الأمريكي أنهم ينوون عرض مشروع قانون يعلن أوكرانيا عضواً في الناتو-بلس (ما يعني أن تصبح أوكرانيا عضواً في الناتو و”حبة مسك”) NATO-plus، ويعلن روسيا دولةً راعيةً للإر هاب…  وها نحن نرى النتيجة اليوم.  فمن يحكم في الكرملين ليس ضعيفاً أو مدمناً أو مستخزياً للغرب كبوريس يلتسِن أو غورباتشيف، بل فلاديمير بوتين.  والقصة لا تتعلق بفرد، بل بما يمثله من سعيٍ روسيٍ لترميم الجرح الوجودي، لا سيما بالنسبة لمكانة روسيا الدولية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

 

في الجغرافيا السياسية لمشروع تطويق روسيا

رُب قائلٍ: وما المشكلة في انضمام أوكرانيا لحلف الناتو؟  فهي ليست المرة الأولى التي تنضم فيها دولة مجاورة لروسيا إلى الناتو.  فالنرويج، العضو المؤسس في الناتو منذ عام 1949، تشاطر روسيا حدوداً مشتركة طولها حوالي 200 كيلومتر، من جهة أقصى الشمال الغربي الروسي، بين البحر النرويجي وبحر بارنتِس، منذ الاتحاد السوفياتي.  ودول البلطيق الثلاثة، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، التحقت بالناتو عام 2004، وكالينينغراد، الجيب الروسي المعزول المطل على بحر البلطيق، تحيط به بولندا، العضو في الناتو منذ عام 1999، وليتوانيا.  فلمَ الجلبة على انضمام أوكرانيا للناتو إذاً؟  ولمَ معارضة روسيا لحقّها في أن تختار الالتحاق بمن وما تريد؟

من منظور الجغرافيا السياسية، ليست كل الدول، ولا كل الحدود، سواسية.  فالدول الصغيرة، التي يراوح عدد سكانها بين مليون وثلاثة ملايين نسمة، ليست مثل أوكرانيا التي تزيد مساحتها عن 600 ألف كم مربع، ويقارب عدد سكانها الـ45 مليوناً.  وبولندا التي لا تحدها حدودٌ مباشرةٌ مع روسيا الاتحادية، باستثناء جيب كالينينغراد على البلطيق، الساقط عسكرياً بالتعريف، ليست مثل أوكرانيا التي يبلغ طول حدودها مع روسيا حوالي 2300 كم.  وموضع تلك الحدود الأوكرانية-الروسية، عند شغاف القلب الروسي الأوروبي، ليس مثل موضعه البعيد مع النرويج في أقصى الشمال الغربي، على المياه المتجمدة.

جورجيا صغيرة جداً بالمقارنة مع أوكرانيا (أقل من 70 ألف كم مربع)، ولا يزيد عدد سكانها عن أربعة ملايين نسمة، ومع ذلك، فإن حدودها مع روسيا، التي يبلغ طولها حوالي 900 كم، ربما تأتي في المقام الثاني في الأهمية الجغرافية السياسية بعد حدود أوكرانيا.  كما أنها طريق روسيا البري إلى تركيا وإيران والعراق، من جهة أقصى الجنوب الغربي لروسيا وأذربيجان وأرمينيا.  وهي تطل مباشرةً على القوقاز شمالاً.  فلا مزاح هناك.  ولا مجال للتساهل في تحولها إلى قاعدة للناتو.  وأوستيا الجنوبية وأبخازيا هما مِنطقتان عازلتان، من المنظور الجغرافي-السياسي، ما دامت جورجيا قد قررت التحول إلى قاعدة ضد روسيا، تماماً كما أن دونيتسك ولوغانسك هما حاجزان جغرافيان-سياسيان يحميان القلب الأوروبي لروسيا من جهة أوكرانيا.

أضف إلى ذلك العنصر الثقافي؛  فعلى الرغم من وجود نسبة من السلاف تراوح ما بين الربع والثلث في جمهوريات البلطيق الثلاث، وفي جورجيا (أساساً في أوستيا الجنوبية وأبخازيا)، فإن ثمة فرقاً جوهرياً آخر بين أوكرانيا وغيرها وهو أنها ليست سلافية فحسب، بل سلافية شرقية تحديداً، أي من عظام رقبة الأرومة التي ينتمي إليها الروس والروس البيض (بيلاروسيا)، وعليه، فإن حسابها، بالنسبة للروس، يشبه وضع صواريخ روسية، لا في كوبا فحسب، بل في ولاية تكساس أو كاليفورنيا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.  وهنا يصبح تغلغل الناتو فيها تعميقاً للجرح الوجودي الروسي بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي.

فالحدود الإستونية مع روسيا تقابلها مدينة سان بطرسبرغ، ثاني أهم مدينة روسية، وأهم مدينة/ مرفأ على بحر البلطيق، أما الحدود الأوكرانية مع روسيا فتقابلها موسكو ذاتها.  وبالتالي فإن حشد القوات البرية للناتو، ابتداءً من عام 2016، في بولندا ودول البلطيق الثلاث، أكد لروسيا خطأ انسياقها خلف “دعاية السلام” الأطلسية، مع العلم أن إستونيا ولاتفيا وليتوانيا نالت استقلالها مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وضمها ستالين للاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية.

 

خطايا يلتسِن الجغرافية-السياسية

نقول تفكيك الاتحاد السوفياتي، ولا نقول تفككه، لأن النهج الذي سار عليه يلتسِن، وغورباتشيف من قبله، يثير الكثير من التساؤلات.  على سبيل المثال، لا الحصر، قيل وكتب الكثير عن تعهدات الناتو بعدم التوسع شرقاً، ولست في صدد إعادة سردها هنا.  لكنْ لاحظوا ما يلي:  خلال زيارة يلتسِن لبولندا، في آب/ أغسطس عام 1993، قال يلتسِن للرئيس البولندي آنذاك، ليخ فاليسا، إن “روسيا لا تعارض عضوية بولندا في الناتو، ولا تنظر لعضويتها في الناتو كتهديد لروسيا”.  وبعد ضغط شديد من الداخل الروسي، سحب يلتسِن التصريح في الشهر الذي يليه.

رُب قائلٍ إن يلتسِن لم يكن بوعيه الكامل ربما عندما أدلى بمثل ذلك التصريح (أو أن الفودكا البولندية لم تلائمه كالروسية؟!).  لكن لا!  لم تكن تلك مجرد هفوة مخمور.  ففي 27 أيار/ مايو عام 1997 حضر يلتسِن قمة الناتو في باريس، ووقع اتفاقية تعاون رسمية مع الناتو تقول تأويلات غربية (وروسية معارِضة آنذاك) إن سطورها تسمح بتوسيع الناتو شرقاً بموافقة روسيا! (انظر مثلاً تقريري الـCNN في 26 و27/5/1997).  وبعدها ببضعة أشهر أصدرت روسيا “مسودة استراتيجية الأمن القومي” التي تعد توسيع الناتو شرقاً خطراً ماثلاً.

من البديهي أن تفريط الزعماء التابعين للغرب لا يلزم الشعوب والأمم بشيء، من روسيا إلى الوطن العربي إلى غيره، لكنْ من الإنصاف الإشارة، بعيداً عن إدمان يلتسِن أو تبعيته للغرب، إلى أن الجو العام في التسعينيات كان جو الإحادية القطبية الأمريكية.  وخلال ذلك العقد، عام 1994 تحديداً، أطلق الناتو ما سمّاه “الشراكة من أجل السلام”، التي شكلت توطئة لضم دول الاتحاد السوفياتي السابق، ومنها روسيا، وضم الدول الأوروبية المحايدة، التي لم تنضوي في الناتو من قبلُ، مثل فنلندا والنمسا وسويسرا، إلى حلف الناتو على المدى البعيد، بحسب الرئيس الأمريكي الأسبق بِل كلينتون عام 1994، في محضر وثيقة أمن قومي أمريكي تم الإفراج عنها عام 2019، أي بعد 25 عاماً.

 

بريجينسكي ومشروع تفكيك روسيا بعد الاتحاد السوفياتي

لعل مشكلة النخب الأطلسية التوجه في روسيا، كما مشكلة النخب ذاتها في الوطن العربي، هي أنها لا تقرأ الجغرافيا السياسية.  إذ لا يجوز عند الأمريكي أن تبقى أقطابٌ قوية، أو أن تمتلك دولٌ إمكانية التحول إلى أقطابٍ قويةٍ تتحداه، حتى ضمن دائرة نفوذه.  وذلك أن “الاستثنائية الأمريكية” تتطلب عقائدياً أن يظل الآخرون غير استثنائيين، فإن أبوا، يصبحون خطراً على “الأمن القومي الأمريكي”، أي على مشروع الهيمنة، ولو استخزوا للأمريكي مثل نظام يلتسِن وغورباتشيف.

وروسيا الكتلة الجغرافية السياسية خطرٌ موضوعي ومستقبلي، حتى وهي نائمة أو تائهة.  ولهذا فإن مشروع تفكيك الجغرافيا والديموغرافيا يظل حاضراً على الطاولة دوماً.  ومشروع تفكيك روسيا، بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي، يبرز هنا إلى المقدمة.  إذ أن ما يتبع التطويق هو الاحتواء والإسقاط والتفكيك، تماماً كما حدث مع يوغوسلافيا السابقة، حتى يتحول أي عائق جغرافي سياسي أمام الهيمنة الغربية إلى شذرات، وهذا هو معنى تمدد الناتو موضوعياً.

من المعروف أن مثل هذا الطرح كثيراً ما يُتهم بتبني “نظرية المؤامرة”.  ومن البديهي أننا لن نترك مثل تلك التهمة تمر مرور الكرام.  لأن المؤامرة موجودة، ولكننا لا نتحدث هنا عن مؤامرة بالمعنى الحرفي، لأن المؤامرة تتطلب السرية، والعمل من خلف الستائر ومن تحت الطاولة، فيما بلورة التوجهات الاستراتيجية في الغرب، مثل مشاريع تفكيك الوطن العربي أو روسيا، يجري ضمن إطار النخب بشكلٍ مفتوح في أوراق ومؤتمرات ونقاشات يمكن متابعتها، أما عندما يتم تبني توجهٍ استراتيجيٍ ما، وينتقل المشروع من إطار التخطيط إلى إطار التنفيذ، أي إلى خطة عمل بجداول زمنية وآلية إدارية إلخ… فهناك تنتقل ترجمة ذلك التوجه إلى حيز المؤامرة السرية.

ويعد مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبيغنيو بريجينسكي (توفي عام 2017) أحد كبار المفكرين الاستراتيجيين في عالمنا المعاصر، وقد طرح رسمياً مشروع تفكيك روسيا، في ورقة نشرتها مجلة “فورن أفيرز” Foreign Affairs المرموقة، عدد سبتمبر/ أوكتوبر عام 1997، وأترجم حرفياً:

“إن أولوية روسيا الأولى يجب أن تكون تحديث نفسها بدلاً من الانخراط في جهدٍ عقيمٍ لاستعادة منزلتها كقوة عالمية.  وبالنظر إلى حجم البلد وتنوعه، فإن نظاماً سياسياً لامركزياً واقتصاد السوق الحرة من المرجح أن يكونا الأكثر قدرةً على إطلاق العنان للإمكانيات الإبداعية للشعب الروسي وموارد روسيا الطبيعية الهائلة.  إن روسيا كونفدرالية فضفاضة، متكونة من روسيا أوروبية، وجمهورية سيبيرية، وجمهورية الشرق الأقصى، سوف تجد أن من الأسهل عليها أن تبني علاقات اقتصادية أوثق مع جيرانها.  كل من تلك الكيانات المؤتلِفة ستكون قادرة على الاستفادة من إمكانياتها الإبداعية المحلية، التي طالما قيدتها يد موسكو البيروقراطية الثقيلة على مدى قرون.  بالمقابل، فإن روسيا اللامركزية ستكون أقل عرضة لتعبئة ذاتها إمبراطورياً”.

الكلام واضح، وهو لا يصدر عن هاوٍ غرٍ أو باحثٍ عن شهرةٍ فيسبوكية.  والهدف هو تدمير الدولة المركزية، وتقسيم روسيا إلى ثلاث دول مبدئياً (وتشجيع النزعات الانفصالية في الاتحاد السوفياتي السابق، في موضعٍ آخر)، وإعاقة قدرتها على استعادة منزلتها كقوة عالمية.  وما من شك في أن كل منظومة العقوبات التي فرضها الغرب مؤخراً تستهدف ضرب الدولة المركزية الروسية، بذريعة حماية أوكرانيا.

من البديهي أن “نقاد نظرية المؤامرة” قد يردون بأن بريجينسكي مجرد كاتب يعبر عن رأيه الفردي ربما.  والحقيقة أنه من السهل إيجاد دراسات أخرى تتحدث عن مشروع تقسيم روسيا، يمكن أن يقال عنها إنها “مجرد رأي الكاتب”، لكنّ بريجينسكي قصة أخرى.  فهو لم يكن مشاركاً بصنع القرار التنفيذي الأمريكي فحسب، بل كان من أهم من صاغوا توجهاته الاستراتيجية.  وقد وضع كتاباً عام 1970، بدا عنوانه وقتها كأنه من كوكبٍ آخر، وهو “ما بين عصرين: دور أمريكا في الحقبة التكنوترونية”، درس فيه، عام 1970، كيف يمكن أن تؤثر التكنولوجيا ووسائل الاتصال الجماهيري في تشكيل دور الولايات المتحدة عالمياً!  (هل تتبادر الثورات الملونة و”الربيع العربي” إلى البال؟)

وعندما كان بريجينسكي مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر، عمل على تعزيز العلاقات مع الصين لعزل الاتحاد السوفياتي، وقد اقترن اسمه بالذات، كعراب، بأمرين ما زلنا نكابد آثارهما حتى اليوم: 1) اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر والعدو الصهـ.ـيو ني، و2) حركة “الجهاد الأفغاني”.  وقد ظل بريجينسكي مساهماً فعالاً في بلورة التوجهات الاستراتيجية الأمريكية الكبرى حتى وفاته، وما تزال رؤاه الجغرافية السياسية تقض مضجع العالم حتى يومنا هذا، مشروع تفكيك روسيا أنموذجاً.

 https://www.almayadeen.net/articles/في-الجغرافيا-السياسية-لمشروع-تطويق-روسيا-وتفكيكها

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=824937078908380&id=100041762855804

الموضوعات المرتبطة

إشكالية الموقف من تركيا عقائدياً وسياسياً

  إبراهيم علوش  - صباح الخير/ البناء    شكلت شبه هضبة الأناضول تاريخياً كتلةً جغرافيةً-سياسيةً شديدةَ الوطأة على الميدان الشامي، وعبره، على الوطن العربي كله.  فمنذ الحثيين، حتى الرومان [...]

خطوط الصراع في الانتخابات النصفية الأمريكية

  إبراهيم علوش  - الميادين نت تجري في الولايات المتحدة الأمريكية في 8 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل انتخاباتٍ نصفية حاسمة يُقرَر فيها مصير كامل مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعداً من أصل 100 في [...]

هل يفرض الغرب سقفاً سعرياً على النفط الروسي؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت الخبر الاقتصادي الدولي الأهم في الأيام الفائتة كان قرار الاتحاد الأوروبي، المدعوم أمريكياً، في الثاني من أيلول / سبتمبر الفائت، فرض سقف أعلى على سعر النفط [...]

نهج المــقــاومة والعمل القومي: هل يقوم أحدهما مقام الآخر؟

  إبراهيم علوش – المستقبل العربي* شخصت الأبصار إلى غزة ثم إلى نابلس في شهر آب / أغسطس الفائت، ولطالما احتضنت عيون الشرفاء كلَ حالةِ مـ.ـقـ.ـاومةٍ متميزة، ولو كانت تحدياً للهيمنة الغربية، أو [...]

تايوان والصراع على جبهة أشباه الموصلات

  إبراهيم علوش – الميادين نت ربما تبدو الجبهة الأوكرانية أكثر صخباً، وتداعياتها الاقتصادية على أوروبا والعالم أبلغ أثراً، وتناولها إعلامياً أشد إثارةً، لكنّ الجبهة الأكثر ضراوةً، هي، [...]
2022 الصوت العربي الحر.