كيف نبني على الطوفان الشعبي العربي المساند لغزة والمقاومة؟

December 14th 2023 | كتبها

 

 

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 90

 

 

كشفت تداعيات عملية طوفان الأقصى المجيدة، مجدداً، عن سمتين أساسيتين تحكمان المشهد العربي:

أ – أن الشعب العربي تسكنه روحٌ ومشاعرُ واحدة من اليمن إلى المغرب إلى المهاجر، وأن فلسطين تملك شغاف قلبه وتوحده شارعاً ومشاعر، وأن دوس رؤوس الصهاينة يستفز حميته ويستنفره إلى الساحات، وأن “الربيع العربي” ربما غيّب صواب بعضه ردحاً من الزمن، لكنه يعيش الآن لحظة يقظة سياسية حقيقية اتخذت طابعاً عروبياً مقاوِماً، لأن الشعب العربي، أولاً، تفاعل فيها مع غزة المقاتل المنتصر، لا مع غزة الطفل المذبوح فحسب، كما لم يتفاعل مثله، ولأن عنوانها الرئيس، ثانياً، هو العودة المليونية إلى سكة التناقض الرئيس مع الإمبريالية والصهيونية وأذنابهما على قاعدة: الشعب يريد تحرير فلسطين.

ب – أن المنظومة الرسمية العربية، بصفتها منظومة تجزئة قُطرية افتُعلت استعمارياً كي تحتجز تطور الأمة العربية وطاقاتها، برزت مجدداً، في معركة طوفان الأقصى والعدوان على غزة، عبئاً ثقيلاً على كاهل الشعب العربي الذي يتحرق شوقاً لمنازلة العدو الصهيوني وداعميه في الميادين، مظهرةً كل عجزها وتأزمها وتواطئها في مسألة الأمن القومي العربي كما أظهرتها مراراً من قبلُ، وكما أظهرتها في مسألة التنمية الاقتصادية والأزمات المعيشية التي يتقلب المواطن العربي بين مواجعها، وكما ستظهرها مجدداً ومجدداً من بعدُ، لأنها منظومة تجزئة تفكِكُ الطاقات والموارد العربية حين تتطلب التحديات التاريخية حشد تلك الموارد والطاقات في مشروعٍ قوميٍ واحد.

تقف هاتان السمتان الجوهريتان في المشهد العربي اليوم، وأمس وغداً، على طرفي نقيض لطالما هدد بالاشتعال منذ احتلت فلسطين، لا بل منذ وضعت اتفاقية سايكس-بيكو (وما يعادلها) وعاءً لوعد بلفور قبل أكثر من مئة عام.  وما كان من الممكن للكيان الصهيوني أن يقوم ويستمر لولا منظومة التجزئة القُطرية، وما كان لمنظومة التجزئة القطرية أن تستمر لولا وجود الكيان الصهيوني، لأن من عمل على تأسيسه، منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، إنما عمل على ذلك لمنع نشوء دولة عربية واحدة، أي لمنع قيام وحدة عربية تجبُّ منظومة التجزئة القُطرية بالتعريف.

لهذا نقول إن قضية فلسطين هي قضية الأمة العربية أساساً، قبل أن تكون أي شيءٍ آخرَ، فهي ذاتها قضية الوحدة العربية واحتجاز النهوض العربي بمنظومة التجزئة التي تخلق أفضل الشروط لبقاء العرب ضعفاء ومشتتين، أي لبقاء الاحتلال والتبعية، أولاً، والتأخر اقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً إلخ…، ثانياً.

وإن الشعب العربي يتلمس بحسه العفوي تلك الصلة العضوية بين احتلال فلسطين من جهة، وبين شروط وجوده الرثة من جهةٍ أخرى، مقارنةً ببقية الأمم، ومقارنةً بما يمكن ويجب أن نكون، لذلك فإنه يشعر بأن تحرير فلسطين يعني تحرير الوطن العربي، أي تحريره هو من الضعف، ومن التجزئة التي تسببه، ومن الاحتلالات والتبعية لقوى الهيمنة الخارجية التي تعيد إنتاجه وتؤبده.

لكنّ ذلك الحس العفوي الذي يدفع ملايين المواطنين العرب إلى الشوارع من أجل فلسطين، منذ احتلالها عام 1948، على الرغم من كل ما يمثله شعبياً من إعلانِ وجود وتثبيتِ موقف وتشجيعٍ للمقاومين، ومن ضغطٍ على منظومة التجزئة القُطرية، ومن رفعٍ لسقف الخطاب السياسي العربي، ومن اعتراضٍ إجباريٍ لمسارات التطبيع والمطبعين ودعاة التسوية مع العدو الصهيوني، يبقى قاصراً عن تحويل تلك الطاقة الشعبية الجبارة إلى عمل ملموس قابلٍ للاستمرار وقادرٍ على مراكمة الإنجازات، لأن الطاقة التي لا تجد قنواتٍ توجهها نحو المصب الذي يجتذبها، الهدف الاستراتيجي، فلسطين، والذي أطلقتها جاذبيته أصلاً، يمكن أن تتسرب وتتبدد مؤقتاً، حتى تعود إلى التراكم ويطلقها صاعقٌ آخرُ كطوفان الأقصى.

ثمة حلقة مفقودة إذاً يمكن أن تحول الطاقة الشعبية العربية إلى دعمٍ ملموس لنقاط الصدام العربية مع الاحتلالات وقوى الهيمنة الخارجية، وليس العدوان الأخير على غزة المثال الأول في تاريخنا العربي المعاصر على غياب تلك الحلقة.

إن المطلوب الآن، في أوار الحرب، هو إيصال الدعم إلى المقاومين، بالسلاح، بالمال، بالمتطوعين، بالمؤن، بفتح جبهات أخرى، ثم بالموقف السياسي والدعم الإعلامي.  ولنكن واضحين: إذا كان دعم الغرب للاحتلال “قانونياً”، بموجب القانون الدولي أو غيره، ودعمنا كشعب عربي للمقاومين “غير قانوني”، بموجب “القانون الدولي” أو قوانين منظومة التجزئة القُطرية المهترئة، فإن مثل تلك “القوانين” تتعارض مع مصلحة الأمة العربية، ويجب التعاطي معها معنوياً كحذاءٍ مهترئ، أي يجب إسقاط “هالتها” و”مشروعيتها” سياسياً، ومن ثم يجب العمل على انتهاكها بكل وسيلة ممكنة، بطرق مبدعة أو مواربة أو مباشرة، بحسب ما يسمح به ميزان القوى.

لا شك في أن الدعم السياسي والشعبي والإعلامي للمقاومة مهمٌ جداً، ولا أقلل من أهميته، خصوصاً عندما ينخرط فيه الملايين، ولا أزايد على من يحملون عبئه الذي أسعى إلى مشاركتهم فيه ما استطعت، لكنّ المطلوب موضوعياً الآن على مستوى قومي أكبر من ذلك، لأن ثمة قوى وإمكانيات شعبية عربية كبيرة يمكن ويجب توجيهها نحو دعم المقاومة، وتلك بوصلة للعمل لا يجوز أن ننساها ونحن نعبر عن رأينا ونتظاهر ونضغط من الشارع.

مرة أخرى، إن إبداء الرأي دعماً للمقاومة أفضل من الصمت، والتظاهر أفضل من القعود، لكن محاولة اقتحام سفارة للعدو في بلد عربي أفضل، والأفضل من ذلك كله العمل المباشر ضد العدو الصهيوني، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والجهاد مراتب، وكذلك أجوره.

إن مهمات الحراك الشعبي العربي في هذه اللحظة لا يجوز أن تتوقف عند التعبير عن المشاعر، دعماً للمقاومة أو سخطاً على المجازر التي يرتكبها الاحتلال، بل يجب أن تتجه نحو تحقيق الأهداف التالية:

أ – مناجزة التطبيع والمطبعين وإغلاق سفارات الاحتلال في وطننا العربي وإيقاف كل أشكال العلاقات معه.

ب – اجتراح وسائل لإيصال الدعم للمقاومة والمقاومين، ولانتهاك الحصارات المفروضة صهيونياً وغربياً على بعض الأقطار العربية.

ج – الدفاع عن قيم المقاومة وثقافتها ورموزها في وجه المشككين ومثيري الإحباط والساعين إلى تخفيض سقف الحراك الشعبي سياسياً بدواعي “الحكمة” و”العقلانية” وما شابه.

الأهم من ذلك كله هو بناء شبكات غير مركزية عابرة لحدود التجزئة القُطرية مهمتها تحقيق الأهداف أعلاه، وأن تسعى تلك الشبكات إلى التحول إلى قوة أو رافعة أو بنى للدفاع عن المصالح والقضايا العربية العليا، لأن منظومة التجزئة القُطرية إما عاجزة أو متواطئة أو مشلولة، لذلك تؤول مهمة الدفاع عن المصالح والقضايا العربية إلى الشعب العربي، فإما أن ينهض إلى مستوى التحدي التاريخي أو يتعرض وجودنا ذاته كأمة إلى خطر الاندثار.

إن تفكيك حركة القوميين العرب كان من أكبر الأخطاء التاريخية في مسيرة حركة التحرر العربية، وكذلك الصراع بين البعث والناصرية، أو بين البعثين، ويعود ذلك كله إلى آثار منظومة التجزئة القُطرية في حركة الوحدة العربية ذاتها، وفي وعي فصائلها الذي انتهى قُطرياً.

فإذا كانت الأنظمة أسيرة منظومة التجزئة القُطرية وقوانينها وتوازناتها، فإن من واجب الحراك الشعبي العربي اليوم أن يتجاوز تلك المنظومة من خلال التشبيك العابر للأقطار، أي بممارسة العمل السياسي الذي ينتهك حدود التجزئة القُطرية يومياً.

وعلى ذلك يتوقف تأسيس تيار شعبي عابر للأقطار وحدودها من أجل تشكيل خط دفاع قومي عربي لمواجهة المخاطر والتهديدات المحيقة بوجود الأمة العربية اليوم: خطر التفكيك، بالوعي القومي والعمل السياسي العابر للأقطار؛ خطر الهيمنة والاحتلال، بالمقاومة الشاملة، أي بمستوياتها كافةً؛ خطر الاختراق التطبيعي، بمناهضة التطبيع على مستوى شعبي عربي من منظور عروبة أرض فلسطين كاملة.

إن الحلقة المفقودة إذاً من أجل تحويل الزخم الشعبي العربي المناصر للمقاومة إلى دعم ملموس لها هي عدم وجود حركة شعبية عربية منظمة يمكن أن توجه الموارد عبر الوطن العربي إلى حيث تخوض الأمة العربية معركةً كبرى، وإن ذلك هو المقدمة الضرورية لبناء مشروع قومي، لأن المشروع القومي هو بناء قوة أو رافعة أو أطر تعبئ القوى لتحقيق الأهداف القومية الكبرى، مثل التحرير والوحدة والنهضة، لكن مثل تلك القوة لا تأتي من العدم، بل تتبلور في معمعان الصراع، ومهمتها الراهنة الآن هي العمل على تأسيس حركة شعبية عربية منظمة، غير مركزية، يمكن أن تتحول إلى تيار عارم يتألف من كل من ينخرط فيها من أفراد مستقلين وجمعيات وأحزاب ونقابات.

أما ما نحتاجه الآن فهو جبهة شعبية عربية مساندة للمقاومة تتجاوز مهمتها إصدار البيانات والتصريحات، وإذا بدا مثل هذا الطرح غريباً بالنسبة إلى البعض، فاعلموا أنه ليس إلا ترجمة لأحد بنود الميثاق القومي لعام 1964، والميثاق الوطني الفلسطيني غير المعدل لعام 1968، والذي ينص في المادة 15 على ما يلي:

“تحرير فلسطين واجب قومي، تقع مسؤولياته كاملة على الأمة العربية شعوباً وحكوماتٍ، ومن أجل ذلك فإن على الأمة العربية أن تعبئ جميع طاقاتها العسكرية والبشرية والمادية والروحية للمساهمة مساهمة فعالة مع الشعب الفلسطيني في تحرير فلسطين”.

وما دامت الحكومات غير معنية أو غير قادرة، فإن تلك المسؤولية تؤول إلى الشعب العربي، وهو شعبٌ عربيٌ واحدٌ، لا “شعوب عربية”، لأننا أمةً عربية واحدة.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid0jivP6rx4chyWFyH8B8dYN2AmDnuzD62EVSx28eg7LntZnKdzxER4dQfUKk8pkF6vl&id=100041762855804

الموضوعات المرتبطة

قضية للنقاش في هوامش الخطاب الإعلامي المقاوم

  إبراهيم علوش – الميادين نت حقق الخطابُ المقاومُ، في مختلف تنويعاته، اختراقاتٍ حقيقيةً بموازاة عملية "طوفان الأقصى" التي شكلت رافعة مادية له، وشكل بدوره غطاءً وامتداداً إعلاميين لها، [...]

القرار الأولي لمحكمة العدل الدولية بشأن غزة في ميزان الصراع

  إبراهيم علوش – الميادين نت   كان من المفهوم تماماً أن ينفعل البعض تحمساً لرفع جنوب إفريقيا قضية ضد الكيان الصهيوني في محكمة العدل الدولية تتهمه فيها بممارسة الإبادة الجماعية في غزة، [...]

تمرد ولاية تكساس: هل تتفكك الولايات المتحدة الأمريكية؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت ربما يبدو الخلاف بين ولاية تكساس، ممثلةً بحاكمها منذ عام 2015، غريغ آبوت، وبين الحكومة المركزية في واشنطن، ممثلةً بإدارة الرئيس جو بايدن، خلافاً جزئياً فحسب [...]

إحياء عظام “حل الدولتين” وهي رميم

  إبراهيم علوش- الميادين نت هناك شبحٌ يجول في الغرب والشرق، هو شبح "حل الدولتين".  الغريب في أمره، هذه المرة، أنه شبحٌ اجتمعت على التلويح ببردته الملحاء قوىً لطالما خاضت معارك ضاريةً فيما [...]

العدوان الأنغلوساكسوني على اليمن

  إبراهيم علوش – الميادين نت كانت القوة الضاربة الأساسية في العدوان على اليمن أمريكيةً وبريطانية.  وأظهر بيان تحالف العدوان، المنشور في موقع "البيت الأبيض"، والمؤرخ في 11/1/2024، تشكيلةً من [...]
2024 الصوت العربي الحر.