ياسين الحافظ وكتابه “في المسألة القومية الديموقراطية”: مقدمة لمراجعة نقدية

May 1st 2020 | كتبها

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 69
1 أيار 2020

كتاب المفكر القومي اليساري ياسين الحافظ (1930 – 1978) “في المسألة القومية الديموقراطية”، آخر كتبه، ليس من النصوص التي يطير القارئ عبرها بسرعة لمن يسعى لاستنطاق كنهها حقاً، لأنه قراءة مكثفة للواقع العربي، ينقد فيها التيارات السائدة، القومية التقليدية، واليسارية التقليدية وغير التقليدية، من منظور واقعي، ولكنه ليس منظوراً يستسلم أمام ذلك الواقع، بل يراه ويعاينه بكل تفاصيله المملة أو البشعة، الظاهرة أو الخفية، بنية تشريحه ووضع دليل عمل لتغييره، لا بنية الاستسلام له، فهو كتاب في نقد الواقع العربي، واقع التجزئة، وواقع الفكر والممارسة القوميين، بمقدار ما يؤسس لمنظور قومي يساري مجدِد في تغييره، ولذلك فإن ذلك الكتاب يظل راهناً ومعاصراً بعد أكثر من 40 عاماً من نشره.

ياسين الحافظ من القطر العربي السوري، من دير الزور تحديداً، أي أنه بدأ من البادية فعلياً وانتقل إلى دمشق، ثم إلى لبنان، مع فترة في باريس، وتوفي في لبنان عام 1978، وقد تميز فكره بالحيوية والقدرة على التجاوز والارتقاء، تجاوز وعيه وذاته، وتجاوز الواقع الذي ترعرع فيه، وتجاوز القشرة الخارجية للواقع العربي للإمساك بالعلاقات الداخلية التي تحكم قوانين حركته الداخلية، لذلك أنتج الحافظ رؤىً عمل على صياغتها في توليفة محكمة قومية عربية وماركسية غير تقليدية، مشبعة بتقليد عصر الأنوار الأوروبي في آنٍ معاً.

لم يكن ياسين الحافظ، بالرغم من كل إسهاماته النظرية القيمة والخلافية أحياناً، ممن يقتصرون على التنظير، مهما بلغت أهمية التنظير والوعي (الذي اعتبره الحافظ المفتاح الأهم) في العمل القومي، فقد كان مناضلاً عملياً منذ نعومة الأظفار، إذ تطوع للقتال في حرب فلسطين عام 1948، وخاض التجربة الحزبية في سياقات مختلفة، بعثية وشيوعية، وأسس “حزب العمال الثوري العربي”، وعاش تجربة السجن لمدة ستة أشهر عام 1968 في زنزانة مجاورة لزنزانة جورج حبش في سورية في ظل نظام صلاح الجديد، أي أنه من فئة المفكرين الذين لم يقتصروا على النشاط الفكري المجرد، على أهميته، ولا حتى على الموقف السياسي المنتمي للأمة والمنحاز إليها، على أهميته، بل زاوج الحافظ ما بين النظرية والممارسة، فطبق الأولى ونظّر الثانية، لذلك جاءت كتبه قراءةً أو تجريداً للواقع أكثر منها قراءةً للنظرية، وجاء نقده للنظريات المتداولة عربياً واقعياً أو تاريخياً، لا تجريدياً أو منطقياً فحسب، ومن هنا أهمية ياسين الحافظ وراهنيته اليوم.

لا بد من الإشارة هنا بالضرورة إلى أن محاولة البعض تجيير ياسين الحافظ وإرثه النضالي والفكري الثري فيما يسمى “الثورة السورية” عام 2011، بذريعة عناية ياسين الحافظ بمسألة الديموقراطية في الفكر القومي، هي محاولة فاشلة وانتهازية في أحسن الأحوال، لأن ياسين الحافظ كان، قبل كل شيء، قومياً تطهرياً، وكان موقفه من الإمبريالية والرجعية العربية حاسماً لا خطل فيه، ناهيك عن “ثورة” مدعومة من قِبَل الإمبريالية والرجعية العربية والعدو الصهيوني وتركيا التي اتخذ منها موقفاً حاسماً. وإذا كان الحافظ قد اتخذ موقفاً ضد وحدة سورية مع العراق الهاشمي بسبب تعاون الثورة العربية الكبرى مع البريطانيين وتبعية العراق الملكي لبريطانيا، مفضلاً وحدة سورية مع مصر، في سياق مواجهة مصر عبدالناصر لحلف بغداد الذي كانت تتصدره بريطانيا، فكيف يمكن أن يقف ياسين الحافظ، أو من يتمثل موقفه جيداً، مع ثورة مضادة تشكل غرفة “الموك” إحدى محركاتها؟ كذلك سنرى لاحقاً أن ياسين الحافظ أيد عام 1976 موقف الدولة السورية في لبنان، وأنه شكك في صحة الموقف السياسي لكمال جنبلاط آنذاك في صفحات طويلة، بغض النظر عما إذا إن كان قارئ هذا السطور يؤيد مثل ذلك الموقف أم لا..

عندما نقول عن فكر الحافظ أنه “مجدِد”، ينسحب ذلك أيضاً على بعض صياغات ياسين الحافظ اللغوية غير المألوفة، وبعض مفرداته الغريبة أحياناً، أما تراصف أفكاره فمنهجيٌ ومنظمٌ بشكلٍ غير مألوف في الفكر العربي المعاصر، وهو يلِج إلى العمق، ويغوص فيه مطولاً كمفكر متمكن، ليعيد إنتاجه كرافعة فكرية متقنة لمشروع وحدوي يراه الحافظ راهناً دوماً، وهو ينتج على هامش ذلك المجهود الفكري العملاق أدباً سياسياً رفيعاً تتذوقه بمقدار ما يستفزك لتفكر ويتحداك لتعمل، فالأساس عنده هو شحذ إرادة الوحدة وعاطفتها على برودة العقل النقدي التحليلي، ولذلك جاء ما أنتجه الحافظ في “في المسألة القومية الديموقراطية” قمة من قمم الفكر الوحدوي العربي، سواء اتفق المرء مع كل استنتاجاته فيه أم لم يتفق، وليس التطابق بنسبة 100% شرطاً لتقدير فكر ياسين الحافظ حق قدره بجميع الأحوال، أو للاستفادة منه، وليس عدم التطابق الكامل داعياً للامتناع عن تقديم “في المسألة القومية الديموقراطية” كـ”مداخلة نظرية” مهمةً ومتميزة حقاً، تستحق التأمل ملياً فيما ورد فيها على الأقل، وتتطلب من القوميين تحديد موقف منها.

وحيث أنه توجد طبعات مختلفة من كتاب “في المسألة القومية الديموقراطية” في الفضائين الحقيقي والافتراضي، ومنعاً للتشوش حول أرقام الصفحات التي أقتطف منها أو أشير إليها أدناه، فإن النسخة التي أعتمدُها في الحديث هنا عن كتاب “في المسألة القومية الديموقراطية” هي النسخة التي يمكن تحميلها على هذا الرابط، وهي تتألف من 231 صفحة:

https://docs.google.com/file/d/0B1hVHp4YpIKoUzNNRDgyUE9sblE/edit

الجزء التنظيري (تنظيري، من عملية أو تمرين بناء نظرية لتفسير الواقع منهجياً، لأنني اكتشفت مما يقوله البعض أن “نظري” فحسب تعني عندهم “حشو” و”كلام” و”حفظ”!) الأهم من الكتاب، برأيي المتواضع، هو جزؤه الأول، وهو يبداً بالفصل المعنون “نحو منظورات وحدوية جديدة”، الفصل الأكثر عمقاً وتجريداً الذي يشدك إليه ويفرض عليك القراءة بتؤدة وإمعان في آنٍ، وهو يمتد من البداية، بعد مقدمة شريكه المفكر إلياس مرقص، حتى الصفحة 74. أما الفصلان اللذان يليان ذلك الفصل، وهما “حول تجربة الوحدة المصرية-السورية”، و”تطور وعي عبدالناصر الوحدوي”، فهما أقرب لتمارين تطبيقية، على صعيد ممارسة العملية الوحدوية ثم تطور الوعي الوحدوي ذاته، للمنهج الفكري الذي تم التأسيس له في الفصل الأول، وهما فصلان لا يخلوان من إضافات نظرية بدورهما، لكنهما يتميزان، فضلاً عن ذلك، بتوظيف التاريخ أو السيرورة التاريخية كأداة تحليل بكثافة أكبر، أي بمنهج “تاريخاني” قياسي، إذا صح التعبير، يميز رؤية ياسين الحافظ عامةً.

يتوسع ياسين الحافظ بعد ذلك في المسألة الطائفية والحرب الأهلية في لبنان في سبعينيات القرن العشرين في عدة فصول (ص: 141-209)، أرى أن الحافظ غاص فيها بتفاصيل تمس الشأن المحلي اللبناني قد تجتذب المعنيين فيه أكثر بكثير من الجمهور العربي العام، سوى أنه يُبرِز فيها، من خلال مناقشة حالة لبنان الماثلة عيانياً، أولوية الطرح العلماني كمرتكز أساسي لمنهجه القومي، منتقداً القوى الوطنية والقومية واليسارية في لبنان (باستثناء الحزب السوري القومي الاجتماعي) على عدم إعطاء البرنامج العلماني أولوية أولى في الساحة اللبنانية، ليحاكمها علمانياً بقسوة، وهو توجه يحتاج لمناقشة نقدية بالنسبة لوجاهة تعميمه على ظروف الوطن العربي ككل بالتساوي، من المغرب العربي إلى شبه الجزيرة العربية، بما أننا نتحدث عن مشروع قومي، لكن من التعسف القول أيضاً إن الرؤيا العلمانية تختزل سبعين صفحة خصصها ياسين الحافظ للشأن اللبناني في كتابه، إذ أنه كان قبل كل شيء قومياً عروبياً، وهو مزيج قومي-علماني ربما يستغرب منه بعض القوميين العرب في المغرب العربي الكبير مثلاً، إذ أن العلمانية لطالما اقترنت هناك بمعاداة العروبة، وبالتغريب، أي بالانسلاخ، وبموالاة الاستعمار الغربي، على العكس من الحركة القومية العربية في المشرق العربي التي تبلورت في مواجهة احتلال عثماني ووجدت نفسها في بلاد الشام بالذات أمام مجتمع متنوع دينياً وطائفياً، وبالتالي كثيراً ما وجدت بالعلمانية جسراً لتحقيق المواطنة والوحدة القومية.

تحتل تفاصيل البعد السياسي الراهن (آنذاك) في فصول “في المسألة القومية الديموقراطية” التي تتناول الشأن اللبناني في السبعينيات نسبةً أعلى بكثير من فصول الكتاب الأخرى، باستثناء استنتاجات الحافظ النظرية حولها في الفصل المعنون “أطروحات حول مسألة الأقليات في لبنان”، ويمكن اعتبار ذلك الفصل، والفصل الذي يليه، “ملاحظات حول المسألة الطائفية في مصر”، والفصل الذي يليهما تحت عنوان “الماركسية والأيديولوجيا الدينية العربية”، جنوحاً علمانياً يتبلور تدريجياً عند الحافظ بشكل أكثر فأكثر وضوحاً وتطرفاً، قياساً على نموذج حداثوي أوروبي لتحقيق النهضة يراه الحافظ مستقبل الوطن العربي، لينتقل تدريجياً من أطروحة حل مشكلة الأقليات حلاً ديموقراطياً علمانياً، في إطار قومي وحدوي، إلى ضرورة نقد التدين في المجتمع العربي في ذلك الفصل (ص: 218 -223)، لا سيما ما يسميه الأيديولوجيا الإسلامية، من دون أن يغلق الطريق على إمكانية تحديث الأيديولوجيا الإسلامية وعقلنتها، أسوة بما جرى في أوروبا، ومن دون أن يتبنى تلك الطريق لتحديثها وعقلنتها كما فعل محمد عابد الجابري مثلاً (ص. 223).

وإذا كان ياسين الحافظ، أسوة بكثيرين، قد عد الحركة الوهابية في انطلاقتها الأولى (ضد العثمانيين، ومع الإسلام العربي) “حركة إصلاحية”، فإنه أسقطها من حسابه فوراً بجملة واحدة لأنها خلت برأيه من كل تأثير “براني” وحديث، ولأنها انحصرت “في القسم الأكثر تأخراً من الشعب العربي، القسم شبه البدوي: نجد أولاً، ثم مع امتداد سلطان العائلة السعودية، الحجاز” (ص. 222)، ليعود للإشارة في الفقرة التي تليها مباشرة إلى أن حركة محمد عبده في مصر كانت “محاولة لمصالحة العصر لا الهرب منه، كما فعلت الوهابية” (ص. 222). ويضيف ياسين الحافظ: “إن مأساة الأيديولوجية الإسلامية تتمثل في أنها تواجه عالماً لم يعد عالمها… ويشعر معظم ممثليها أن إعادة تفصيلها على قد الواقع إنما هي نهايتها، لذلك يعملون على قسر الواقع وتفصيله على قدها” (ص. 223)، فأي وصفٍ يليق بالوهابية المعاصرة وتفرعاتها أكثر من هذا؟

يختتم الحافظ كتابه، في الفصل المعنون “اللغة العربية والتقدم العربي”، بدعوة حداثية تشكل جزءاً لا يتجزأ من منهج ياسين الحافظ الفكري عموماً، الذي يتخذ من نقد “التأخر العربي”، مقارنة بمقياس أوروبا الغربية، منطلقاً لتحليل التجزئة والتبعية، ومن هنا يدعو لتطوير اللغة العربية ذاتها وتبسيطها (لا تطوير أساليب تدريسها فحسب)، بما يتيح إزالة الفجوات بين العاميات العربية والفصحى من جهة، والفجوات بين متطلبات العصر التكنولوجية وتراث الجاهلية اللغوي من جهةٍ أخرى، كشرطٍ لا مندوحة عنه، برأي الحافظ، لا لتحقيق المشروع النهضوي العربي فحسب، بل كمنظور لا بد للتيار القومي العروبي من تبنيه ليثبت جدارته الحداثية لقيادة مشروع وحدوي حقيقي، وهي رؤية إشكالية وسابقة لأوانها بكثير، برأيي المتواضع، وتتطلب الحذر في كيفية طرحها وتنفيذها، كما تتطلب جهة مؤتمنة على المصلحة القومية العليا للقيام عليها، مثل دولة وحدة قومية مركزية قوية، أو حركة قومية عروبية وازنة وعابرة لحدود التجزئة القُطرية، لا سيما في مواجهتنا الراهنة مع مشروع تفكيك الهوية العربية الذي يشكل الهجوم على اللغة العربية أحد أعمدته الأساسية، من دون أن يعني ذلك أن الحافظ لا يمسك بمشكلة حقيقية تتعلق بالفجوة بين العاميات والفصحى، وبين القوالب القديمة ومتطلبات العصر، لا بد من إيجاد منظور عقلاني معاصر، وقومي عروبي في آنٍ معاً، لحلها.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الحافظ يوجّه، من موقعه القومي العروبي دوماً، نقداً لاذعاً لدعاة الإقليمية، أو لنزعات شرعنة التجزئة والمنظومة القُطرية بأية ذريعة، لا سيما دعاة “القومية” القائمة على أساس قُطري، وهو يذكر بعض ممثلي تلك النزعة بالاسم، مثل أحمد لطفي السيد وطه حسين وسلامة موسى في مصر (ص. 118)، ولطفي السيد بالمناسبة أبو الليبرالية، وسلامة موسى أبو الاشتراكية في مصر، وهما من دعاة الكتابة بالعامية المصرية بدل العربية الفصحى، أما طه حسين فمن دعاة تبسيط الفصحى؛ كذلك يذكر ياسين الحافظ بعض دعاة “القومية اللبنانية” بالاسم، مثل شارل مالك وكمال الحاج وسعيد عقل وكمال صليبي (ص. 146) في السياق ذاته.

أشير على الهامش، وخارج السياق، إلى أنني لم أكن قد انتبهت على ما يبدو، في قراءاتي السابقة لكتاب “في المسألة القومية الديموقراطية”، لورود اسم كمال الصليبي في القائمة، وهو صاحب كتاب “التوراة جاءت من جزيرة العرب” وغيره، الذي تتلمذ في جامعة لندن على يد المستشرق الكبير برنار لويس إياه، داعية تفكيك المنطقة. وكان كمال الصليبي أيام ياسين الحافظ أيقونة من أيقونات “القومية اللبنانية”، قبل أن يتحول ويتبدل، بشكل كلي كما يرى البعض، وبشكل جزئي كما يرى آخرون مثل أسعد أبو خليل في “الأخبار” اللبنانية في 10/9/2011، الذي أشار، بمناسبة رحيل الصليبي وقتها، إلى أن مقدمة كتاب الصليبي “تاريخ لبنان الحديث” (1965) تقول إن ذلك الكتاب صدر بتوصية مباشرة من أستاذه المستشرق الصهيوني برنار لويس، في عز فترة المد القومي، ولكن ذلك خارج نطاق هذه المعالجة المتعلقة بياسين الحافظ، سوى للإيضاح لمَ أدرج الحافظ كاتباً يحترمه كثيرون في الصف الوطني والقومي، مثل كمال الصليبي، في عداد دعاة “القومية اللبنانية” الكبار، وكان الصليبي رئيساً لدائرة التاريخ والآثار في الجامعة الأمريكية في بيروت، قبل أن يتقاعد وينتقل إلى عمان، الأردن، ليؤسس “المعهد الملكي للدراسات الدينية” عام 1994.

بالعودة لياسين الحافظ نقول إن علمانيته المتشددة سياسياً، وبوصلته الحداثية الصارمة تاريخياً، لا يجوز أن تدفع بعض الذين قد يتحسسون منهما إلى تجاوز إسهامات ياسين الحافظ النوعية كمفكر قومي عروبي تصدى للأسئلة الصعبة في المشروع الوحدوي في مرحلة الجزر القومي التي ازدادت جزراً في أيامنا هذه، وبالتالي زادت من أهمية وراهنية ما تطرق إليه. كما أن دعوة الحافظ كمفكر قومي عربي لتجديد اللغة العربية وتبسيطها، إذا كانت تصدم بعض القوميين العرب المعتزين بلغتنا العربية، فلسوف يصدمهم أكثر من قبلُ، خلال قراءة “في المسألة القومية الديموقراطية” قبل الوصول لذلك الفصل، مدى امتلاكه لناصية اللغة العربية ولشواردها، ومدى قدرته على تطويع صياغاتها وعلى فصحنة عاميتها، بناءً على قواعدها ذاتها، لإنتاج قالب لغوي مجدد “مطابق” لمحتواه الفكري المجدد، أي أن الحافظ لا يدعو للتجديد اللغوي عن عجزٍ أو تعِلة.

ولسوف نعود لاحقاً لمفهوم “المطابقة”، الذي طبقه ياسين الحافظ منهجياً في أكثر من سياق في كتابه، إنما لا بد أولاً من سياقة مثال على لغويات الحافظ فيما قاله مثلاً عن “الاتحاد الهاشمي” بين العراق والأردن الملكيين، رداً على وحدة عام 1958 بين مصر وسورية: “هذا الاتحاد لم يكن فقط اتحاداً كهاكه” (ص. 88)…

أذكر في إحدى الحلقات القومية عام 2006 أن مجموعة من الشباب القومي كانت تناقش “في المسألة القومية الديموقراطية”، ولم تكن المعاجم اللغوية محمّلة على الإنترنت وقتها، ولا أجهزة الهاتف النقال متصلة بالإنترنت، فاحترنا، وقال أحدنا إنه خطأ مطبعي بالتأكيد، ولكن ياسين الحافظ كررها في موضعٍ آخر في الصفحة ذاتها: “هذا الاتحاد الكهاكه..”، ولم تكن الكلمة مشكّلة بالفتح أو الضم أو الكسر في الكتاب، وقد تبين أنها وردت في لسان العرب وغيره من المعاجم بمعنى “رجلٌ كُهاكِه: الذي تراه كأنه يضحك، وهو ليس بضاحك”… ولنا أن نستنتج المعنى السياسي ببساطة لو وضعنا كلمة “اتحاد” مكان “رجل”.. فهو اتحادٌ كُهاكِه! إذ لماذا لم يقم مثل ذلك الاتحاد على مدى 25 عاماً من وجود المملكتين، كما قال الحافظ، قبل الوحدة المصرية-السورية عام 1958؟!

تتناثر أمثلة عديدة على صياغات الحافظ اللغوية المجددة، لكن ليس إلى حد استعصاء النص على الفهم، فتراه مرةً يستخدم الفعل المضارع الذاتي (reflexive) “يتبنين”، أي يتشكل في بنيان، وتراه مرةً يقول: “مثل هذا التصور الخروفي للوحدة العربية” (من خروف)، عند حديثه عن تصور الوحدة كنتاج تلقائي لتطور عفوي اقتصادوي أو تدريجي، لا يرى الحافظ في الحالتين أساساً لهما في الواقع العربي، وكثيراً ما تحدث الحافظ عن مناخ “الاستنقاع الإقليمي”، من كلمة “مستنقع”، في وصفه لمناخ الولوغ في مستنقع “الوعي” والسياسات القُطرية، وثمة مفردات وصياغات عديدة غيرها لمن يقرأ النص، لكن لن نطيل في هذا الجانب لأن موضوعنا الرئيسي في هذه المعالجة هو فكر الحافظ القومي المجدد، لا لغوياته، لولا أن بعض المواد على الإنترنت تزعم أن مفاهيم الحافظ السياسية مبهمة، ولا نراها كذلك إلا على من كان أسير القوالب الجامدة، في الفكر وفي اللغة، أو بالأحرى في فكر اللغة، لا في لغة الفكر فحسب.

لست بمعرض تلخيص “في المسألة القومية الديموقراطية” وكل ما ورد فيه، أولاً، لأن تلخيص أجزائه النظرية وحدها استغرق مني مثلاً 28 صفحة مطبوعة، فهو كثيفٌ إلى درجة تجعل التلخيص القصير والسريع يُفقِد لجج “المسألة القومية الديموقراطية” عند الحافظ عمقها ومداها، وثانياً، لأن التلخيص وحده، بسبب ما سبق، ربما يُشعِر بعض من يقرأونه بامتلاءٍ مزيفٍ بالفحوى، فيثنيَهم عن تحدي قراءة الكتاب، لا سيما الـ140 صفحة الأولى منه، التي أقترحها كقراءة ضرورية لكل قومي عربي.

إن أهم ما في كتاب “في المسألة القومية الديموقراطية” هو واقعيته، وقد تجلى ذلك منذ صفحاته الأولى بمناقشة عقلانية للوحدة العربية كمصلحة استراتيجية راهنة، من منظور الأمن القومي والتقدم العربي اللذين لا يمكن أن يتحققا إلا في إطار وحدات كبيرة، لا من منظور قومي تقليدي اعتبر أن وحدة الأمة تحصيل حاصل لحقيقة الوجود القومي فحسب، وإذا كان ياسين الحافظ قد اعتبر القوى الإقليمية المجاورة مثل تركيا وإيران (في زمن الشاه) والحبشة، وأوروبا بالنسبة للمغرب العربي، عائقاً كبيراً أمام المشروع الوحدوي، إلى جانب الإمبريالية الأمريكية والعدو الصهيوني، فإن الدور التركي، مع أنه لم يكن بذات وزن الدور الإيراني أيام الشاه، احتل مساحةً واسعة في خطاب ياسين الحافظ (كما نرى في الصفحات 16 و31 و37 و81 و87 مثلاً)، ناهيك عن ثقل الوزن التركي، إلى جانب الصهيوني، والتآمر الغربي، في دفع سورية إلى الوحدة مع مصر عام 1958، ونلفت بالأخص لما قاله ياسين الحافظ عن اقتراح موشي دايان، بدعم من بن غوريون، لمواجهة الوحدة المصرية-السورية بإقامة أحلاف مع الدول المحيطة بالوطن العربي، وتحديداً إقامة حلف يضم الكيان الصهيوني وتركيا والحبشة (ص. 87).

ثم إن واقعية الحافظ دفعته لمعاينة التفاوت بين أقطار الوطن العربي بإمعان، من حيث حجمها ووزنها وعراقتها ومستوى تطورها واندماجها الداخلي، فلم يحاول أن يخفي تأثير ذلك كله على بروز نزعات إقليمية أو قُطرية تحت سجادة الخطاب القومي الوحدوي الفخمة، بل سعى إلى مواجهته مباشرةً ومناقشة كيفية التعامل معه لكي لا يكون عائقاً في وجه العملية الوحدوية، ولتحويله إلى عاملٍ من عوامل الغنى والتنوع الاجتماعي والثقافي في الوطن العربي ضمن إطار الوحدة، بدلاً من أن يكون عاملاً من عوامل تغذية الإقليمية والحس القُطري، ومشكلة الرومانسية الوحدوية برأيه هو أنها اكتفت بإدانة التجزئة، من دون تحليل تضاريسها، والعوامل التي تساعدها على استمرارها ذاتياً، وقد طرح ياسين الحافظ رؤى محددة لاحتواء النزعات الإقليمية في كتابه.

كذلك تتجلى واقعية الحافظ عند مناقشة الحساسيات الطائفية في بلاد الشام ومصر على سبيل المثال، إذ لم يتورع عن تسمية الأشياء بأسمائها، من دون رتوش، وبما يتجاوز الخطاب القومي “الصحيح سياسياً”، فهو يقول مثلاً: “آن للحركة القومية العربية أن تولي مسألة الأقليات العناية التي تستحقها، وبخاصة موقف المواطنين العرب المسيحيين وغير السنة من المسلمين، والتأكيد على علمانية الحركة القومية العربية ودولة الوحدة هو مفتاح حل هذه المشكلة” (ص. 40).

أما الأقليات غير العربية، فيرى ياسين الحافظ أن الحل هو الاندماج، وهو الحل الذي تسهل تحققه عملية دمقرطة المجتمع العربي، لكن إلى أن يتم ذلك، يجب أن تؤخذ كل حالة على حدة، بمنح تلك الأقليات، تبعاً لشروط كل حالة، إما الحكم الذاتي، أو ما هو أكثر من ذلك، أو حتى حق الانفصال، فهذه الأقليات تلعب دوراً، حاسماً أحياناً، ضد الوحدة العربية (ص. 40)، وهو ما لا أتفق مع ياسين الحافظ فيه، لأنه يفتح باب التفكيك على مصراعيه، لأن مسألة “الأقليات غير العربية” باتت حدودها غائمة لا سيما مع إصرار البعض على اعتبار الكثير من الأقوام العربية القديمة مثل السريان والبربر “غير عرب”.. لكن ما لا يمكن الشك فيه هو أن ياسين الحافظ دفع بالمقاربة الديموقراطية (والعلمانية) للفكر القومي إلى حدها الأقصى، وهو يرى أن المثقف أو الطليعي الأكثروي يجب أن ينادي بالديموقراطية، والمواطنة المتساوية، والمثقف أو الطليعي الأقلوي يجب أن ينادي بالاندماج (ص. 209).

ومع تفضيله للديموقراطية، فإن ياسين الحافظ لم يرفض إمكانية الوصول للوحدة عن طريق “بروسي”، أي بالقوة، على طريقة بروسيا في ألمانيا، لو كان ذلك ممكناً، وهو يؤكد على الأهمية التاريخية والعملية في تحقيق العملية الوحدوية للدولة-المركز، أو ما يسميه “الكتلة المكوّرة”، وهي من صياغاته المجددة أيضاً، أي الكتلة التي تتجمع حولها بقية الأقطار كالكرة (ص. 50)، ومع ذلك فإنه يرى أن الدول العربية المؤهلة للعب مثل هذا الدور تحجم عن القيام به للأسف، أساساً بسبب عدم وجود “وعي مطابق” لديها، وعي مطابق لمصلحتها كقطر، ولمصلحة الأمة التي تنتمي إليها (ص. 53).

يرى الحافظ بأن عوامل الوحدة تصطرع بحدة مع عوامل التجزئة في الوطن العربي، وأن النتيجة ليست محسومة مسبقاً كما يفترض القوميون التقليديون بفعل توفر عوامل تشكل الأمة كاملةً لدى الأمة العربية، بل هي رهنٌ بتوفر “وعي مطابق” لدى الشعب العربي، أو طلائعه إذا نشأت، هي مرتبة من الوعي يتطابق فيها وعيهم مع حاجات التقدم العربي، ستغدو السيرورة الوحدوية معها أسهل وأقصر، وتتحول الوحدة إلى حتمية بقدر تنامي مثل هذا الوعي (ص. 27).

الوعي المطابق إذاً، كما نرى مراراً وتكراراً في خطاب الحافظ، هو الوعي الذي يطابق حاجات التقدم التاريخي للجماعة، أي الوعي القادر على إدراك الواقع وبلورة السياسات والاستراتيجيات الواجب تبنيها كجماعة لتحقيق مصلحتها ضمن متطلبات لحظة تاريخية ما، وهو في حالة الوعي الوحدوي الوعي الذي يمكّن الطلائع القومية من إدراك عوائق الوحدة، ومن تجاوزها بشكل عقلاني وديموقراطي، لكن مفهوم “المطابقة” ليس مبهماً البتة عند ياسين الحافظ، بل يمكن استشفافه من طريقة استخدامه له عشرات المرات بمعنى وعي الجماعة، أو طلائعها، لواقعها ومصالحها الاستراتيجية في أي ظرف من الظروف، وهو ما يفترض وعياً جمعياً تمثله نخبة الجماعة أو طليعتها، لذلك فإن الحافظ يشير في الفصل المتعلق بالوحدة المصرية-السورية إلى أن النخبة المصرية التي أدارت الوحدة مع سورية، باستثناء عبدالناصر ذاته طبعاً، لم تمتلك وعياً مطابقاً لما يتطلبه الحفاظ على الوحدة في الإقليم الشمالي، وهو ما سمح للمؤامرات على الوحدة بأن تنجح. يقول الحافظ: ” لقد قتلت الوحدة بسبب قصور وعي النخبة التي كانت تمسك بالزمام في الإقليم السوري، وكان ذلك القصور انعكاساً لقصور وعي النظام الناصري ككل” (ص. 68)، من دون أن ينكر وجود تآمر على الوحدة، كان يمكن تجاوزه لو وجد وعي مطابق لدى من يتصدى له.

أخيراً، في لبنان، وقف ياسين الحافظ ضد شعار “عزل الكتائب” الذي رفعته القوى الوطنية واليسارية اللبنانية لأنه وضع حزب الكتائب في موضع دفاع عن الصف المسيحي، وزاد من التفافه حولها، والمهم برأي الحافظ هو عزل الكتائب عن الجمهور المسيحي (ص. 155)، وهو موقف مخالف للإجماع الوطني والقومي واليساري في لبنان آنذاك بالمناسبة، لكن الحافظ كان يطرح فكرة الاندماج على قاعدة المواطنة المتساوية، لا على قاعدة دمج “الأقليات” بالأكثرية العربية السنية، كما يمكن أن يفهم خطأً من يقتطف كلامه خارج السياق. فلننظر ماذا يقول الحافظ على هذا الصعيد:
– بما أن المسيحيين عامةً والموارنة خاصة يبقون أقليات، فإنهم لا يستطيعون اتخاذ القرار التاريخي بقومنة المجتمع المجتمع اللبناني ثم العربي وعقلنته وتحديثه، على الرغم من أنهم أكثر حداثةً.
– عبء هذه المسؤولية يقع على عاتق النخبة والإنتليجنسيا السنية بوجهٍ خاص، والإسلامية الأخرى بوجهٍ عام، لأنها تمثل الأغلبية، وتتحلى بشعور المسؤولية القومية، غير أنها لن تكون قادرة على لعب مثل هذا الدور إن لم تتجاوز حاجز التقليد (ص. 167-168)، أي إذا لم تتجاوز صفتها السنية إلى صفتها الوطنية والقومية، ويسرف الحافظ من ثم في نقد الطائفية الأكثروية.
– وفي تأييده للموقف السوري في لبنان عام 1976 يقول الحافظ: “لقد كانت السياسة السورية على درجة من الواقعية، بحيث أدركت أنه، في ظل الانقسام الطائفي الحاد القائم، وفي ظل ميزان القوى المحلي اللبناني، لا بد من التفاهم مع المسيحيين، وبالتحديد مع من يمثلهم فعلياً، وأن الحل بالتالي لا يمكن إلا أن يأخذ صيغة تسوية، (على الرغم من أن) بعض أطراف الصف الإسلامي كان يريد أن يأتي الوزن السوري بحل انتصاري يُفرض على الصف المسيحي” (ص. 169-170).
– إطلاق الحزب التقدمي الاشتراكي شعاراً علمانياً في آذار 1976 لم يقنع ياسين الحافظ، فقد عد الصراع في لبنان طائفياً عامودياً، لا طبقياً أفقياً، واعتبر الطرح العلماني لدى الحركة الوطنية اللبنانية في المرحلة الثانية من الحرب الأهلية بعد عام 1976 مجرد غطاءٍ دعائيٍ لطائفيةٍ أكثرويةٍ مضادةٍ تهدف للوصول للسلطة عبر انتخابات علمانية من دون أن يكون الوعي مطابقاً علمانياً، أي في ظل عملية تصويت يُستقطب فيها المواطنون على أساس طائفي (ص. 197-198)، من دون أن يكون لديهم وعي مواطنة، لتفرز أغلبية من طوائف محددة، ويتساءل الحافظ: لماذا لم يطرح كمال جنبلاط البرنامج العلماني قبل الحرب، خلال ربع قرن من تأسيسه؟!

قد يجد المرء الكثير ليختلف فيه مع الحافظ في الشأن اللبناني، لكن هذه المعالجة طالت أكثر مما يجب، من دون أن أفي “في المسالة القومية الديموقراطية” نصف حقه، أو أقل، ولذلك أجد نفسي مضطراً للختام هنا، على أمل أن يقوم القارئ الكريم بقراءة الكتاب ليغرف من كنوزه بنفسه، وليقرر ما يتفق معه فيه وما يختلف.

للمشاركة على فيسبوك:

ياسين الحافظ وكتابه "في المسألة القومية الديموقراطية": مقدمة لمراجعة نقديةإبراهيم علوش – طلقة تنوير 69 1 أيار…

Geplaatst door ‎إبراهيم علوش‎ op Vrijdag 1 mei 2020

الموضوعات المرتبطة

السيطرة اليهودية ليست "نظرية مؤامرة"، بقلم محمد عبد اللطيف حجازي، وجهة نظر حول العلاقة اليهودية_الغربية

السيطرة اليهودية ليست "نظرية مؤامرة" محمد عبد اللطيف حجازي - استراليا [الأخوة القراء، لقد عممت نشرة الصوت العربي الحر خلال الأشهر الماضية عدداً من المقالات والأوراق التي تعالج العلاقة بين [...]

من هو أليوت أبرامز، المسؤول الجديد عن ملف الشرق الأدنى وأفريقيا الشمالية في مجلس الأمن القومي الأمريكي؟

من هو أليوت أبرامز، المسؤول الجديد عن ملف الشرق الأدنى وأفريقيا الشمالية في مجلس الأمن القومي الأمريكي؟ مقدمة من الصوت العربي الحر: تعيد الصوت العربي الحر نشر تقرير "السفير" اللبنانية أدناه [...]

دراسة عن اللوبي اليهودي القوي في الولايات المتحدة?

(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة) أحد أكثر الموضوعات جدلية في الولايات المتحدة هذه الأيام هي طبيعة ومدى التأثير اليهودي-الصهيوني في السياسة الأمريكية. الكثير من [...]

بيان: "مع المقاومة بكل أشكالها"

بيان "مع المقاومة بكل أشكالها" نحن الموقعين على هذا البيان نعلن ما يلي: إنّ الاحتلال الصهيوني العدواني الغاصب لفلسطين هو السبب في كل ما يعانيه شعبنا، وما يتهدد أمتنا العربية. إنّ الكيان [...]
2020 الصوت العربي الحر.